الأوركيد السوري في خطر: ظروف اقتصادية وتجارة عبر فيسبوك تهدد أندر نباتات الساحل بالانقراض


هذا الخبر بعنوان "الأوركيد.. أندر نباتات الساحل السوري مهدد بالانقراض" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه نبات الأوركيد، المعروف شعبيًا بـ"السحلب البري" أو "العنطريف"، خطر الانقراض المتزايد في طرطوس وعموم مناطق الساحل السوري. وقد أدت الظروف الاقتصادية الصعبة إلى اقتلاع هذا النبات بوتيرة غير مسبوقة، وبيعه لتجار يروّجون لجمعه عبر منصات التواصل الاجتماعي.
هذه الظاهرة المتسارعة دفعت الجمعيات والناشطين المهتمين بالشأن البيئي إلى دق ناقوس الخطر، مطالبين باتخاذ إجراءات عاجلة للحد من جمع الأوركيد البري، ومناشدين الجهات الحكومية بسن قوانين رادعة تحمي النباتات النادرة والتنوع الحيوي في المنطقة.
أوضح الناشط البيئي الدكتور علي قاسم علي، في تصريح لعنب بلدي، أن هذه الظاهرة تهدد أندر نباتات الطبيعة السورية. وأضاف أن المشهد أصبح مألوفًا في مجموعات البيع والشراء على "فيسبوك"، حيث تُعرض أكياس مليئة بـ"درنات" صغيرة، بأسعار تتراوح للكيلوغرام الواحد بين 30 و60 ألف ليرة سورية قديمة (ما يعادل تقريبًا ثلاثة إلى خمسة دولارات).
وأكد علي أن هذه "الدرنات" ليست بذورًا عادية، بل هي جزء أساسي من نبات الأوركيد البري النادر، الذي تحول في الأشهر الأخيرة إلى سلعة رائجة تُعرض للبيع علنًا في مناطق مختلفة من الساحل السوري، دون أي رقابة أو مساءلة.
وأشار الناشط البيئي إلى أن هذه الظاهرة ليست حديثة تمامًا، فقد انتشرت في أواخر القرن الماضي عندما كان بعض التجار يأتون إلى القرى لجمع "الدرنات" من الأهالي. لكن اللافت حاليًا هو عودتها بشكل أوسع وأخطر، وهو ما عززته الظروف الاقتصادية الصعبة للسكان، والدور السلبي الذي تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لها.
تتركز هذه الظاهرة، بحسب الدكتور علي قاسم علي، في ريف اللاذقية الشمالي وجبلة، وصولًا إلى مناطق الشيخ بدر والقدموس وبانياس بريف طرطوس. ويتجه بعض الأهالي إلى الأحراج والغابات لاقتلاع النبتة من جذورها بحثًا عن "الدرنة" التي تشبه حبة بطاطا صغيرة، ليقوموا بجمع "الدرنات" ومن ثم إتلاف بقية النبات.
ويقوم تجار محليون بجمع هذه "الدرنات"، وفقًا للناشط البيئي، ثم تُجفف وتُطحن لتصبح مسحوقًا جاهزًا. ويبيعون هذا المسحوق بدورهم إلى دول الجوار، حيث يدخل في صناعات غذائية متعددة، أبرزها مشروب "السحلب" وأنواع شهيرة من "البوظة" التقليدية، التي تمنحها "درنات السحلب" قوامًا سميكًا ومميزًا.
يُعرب الناشط البيئي علي عن قلقه العميق، مشيرًا إلى أن "درنة" الأوركيد صغيرة جدًا، لا يتجاوز وزنها بضعة غرامات. وهذا يعني أن الحصول على كيلوغرام واحد قد يتطلب اقتلاع ما بين 150 و300 نبتة من الطبيعة، وهو رقم يكشف وحده حجم الخطر الذي يواجهه هذا النبات النادر.
وأوضح علي أن الأوركيد ليس نباتًا عاديًا ينمو بسرعة، بل هو شديد الحساسية وبطيء النمو، ويعتمد على علاقة دقيقة ومعقدة مع فطريات معينة في التربة تساعده على البقاء. وأكد أن وجود الأوركيد في الأحراج يشكل جزءًا مهمًا من التوازن البيئي، ويرتبط بعلاقات معقدة مع الحشرات الملقحة والكائنات الحية الأخرى، وبالتالي فإن أي اضطراب بسيط في بيئته قد يؤدي إلى اختفائه بالكامل.
ولفت إلى أن بذور الأوركيد البري تحتاج إلى فترة قد تمتد من أربع إلى ثماني سنوات لتكوين نبات جديد قادر على الإزهار، مما يعني أن ما يُقتلع اليوم تحتاج الطبيعة إلى سنوات طويلة لتعويضه.
تزداد أهمية هذا النبات في سوريا، كونها موطنًا لعدد كبير من أنواع الأوركيد البري المعروف بتنوع أشكاله وألوانه. وبعض هذه الأنواع نادر جدًا، ويقتصر وجوده على مناطق محددة في سوريا دون غيرها من دول العالم.
من جانبها، قالت الدكتورة هبة سلهب، العضو المؤسس في جمعية "سنديان لحماية البيئة والتنمية المستدامة"، لعنب بلدي، إن الجمعية تتابع بقلق المنشورات المتزايدة الخاصة ببيع نباتات الأوركيد والترويج لجمعها على مواقع التواصل. واعتبرت أن الظاهرة تنتشر بشكل استدعى دق ناقوس خطر انقراض هذه الأنواع المهمة من البراري السورية.
يُذكر أن نوعًا من الأوركيد البري (Ophrys omegaifera) من قرى صافيتا بريف طرطوس يتميز بشكله الفريد الذي يحاكي الحشرات لجذب الملقّحات، وفقًا لما وثقه الناشط البيئي علي قاسم علي في 10 آذار 2026.
أكدت الدكتورة سلهب أن موقف جمعية "سنديان" بالتنبيه من خطر هذه الظاهرة وإدانتها، ينبع من أهدافها الرامية إلى استدامة الموارد الطبيعية بمختلف أشكالها. وشددت على أن لكل نبات دوره المهم في الطبيعة، خاصة في ظل الوضع الهش للحراج السورية التي عانت على مر السنوات السابقة من حرائق كارثية وقطوعات متواصلة، وحاجتها الماسة إلى الحماية والرعاية وعدم تحملها أي نوع من أنواع الاستثمار الجائر.
ولفتت سلهب إلى رصد مئات المنشورات يوميًا التي تروّج لجمع "درنات" الأوركيد وبيعها بأسعار متفاوتة على مواقع التواصل، وهي أسعار أقل بكثير من الأسعار العالمية. ودعت إلى وقف هذه الظاهرة فورًا، محذرة من أن أعداد هذه الأنواع في بيئتنا لن تصمد أمام ضغط الجمع الممارس عليها وهذا الترويج الهائل.
وبحسب سلهب، إذا قام شخص واحد فقط في كل قرية بجمع الأوركيد في منطقته، فمن المرجح أن يتم القضاء على هذه النباتات نهائيًا خلال السنوات القليلة المقبلة.
وأشارت المسؤولة العلمية في جمعية "سنديان" إلى أن البراري السورية شهدت حوادث مماثلة لأنواع كانت منتشرة بشكل أوسع بكثير من الأوركيدات، لكن الجمع الجائر أدى إلى تراجعها، مثل نبات الزعتر البري. كما نوهت إلى القطع الجائر المستمر لأشجار السنديان التي تعد أساس حراج سوريا.
وتطالب الجمعية، وفق سلهب، الجهات الحكومية المعنية بالعمل على حماية هذه الأنواع النادرة ونشر التوعية حولها وحول أهميتها، ورصد حالات الجمع الجائر لها، والتأكيد على تطبيق القوانين التي تحمي هذه الأنواع.
كما تدعو إلى الاستفادة من الدراسات الأكاديمية التي تناولت نباتات الأوركيد، وتقديم التسهيلات لإجراء دراسات لاحقة لأنواع مختلفة، إضافة إلى إجراء دراسات على استزراعها من قبل مختصين وبشكل محدود، أو إدخال أهم أنواع الأوركيد الاقتصادية المستزرعة عالميًا ضمن خطة الزراعة، في حال كانت مناسبة لظروف البيئة السورية.
وتقوم "سنديان"، بحسب المسؤولة العلمية، بالتعريف بأهم الأنواع الطبيعية التي تزخر بها البيئة السورية وضرورة حمايتها، ورصد التعديات والأخطار التي تتعرض لها.
من جانبه، صرح مضر حرفوش، مدير فرع هيئة إدارة وحماية أملاك الدولة والحراج في طرطوس، لعنب بلدي، بأن الأوركيد (السحلب أو العنطريف) من النباتات النادرة، وهو مدرج ضمن القائمة الأولية للأنواع المهددة والمتدهورة الصادرة عن وزارة الزراعة السورية في أيلول 2024.
وعزا حرفوش أسباب تفاقم انتشار هذه الظاهرة إلى الظروف المعيشية الصعبة التي يعاني منها سكان الريف، مما يضع الجميع أمام مسؤولية منعها.
وكشف عن توجيه عناصر الضابطة الحرجية لاتخاذ ما يلزم لقمع هذه الظاهرة، مبينًا أن دائرة الحراج تقوم عبر عناصرها الفاعلة في جميع المناطق بأنشطة توعوية مستمرة هدفها الحفاظ على الأنواع النادرة والمهددة بالانقراض، والتعريف بأهميتها ودورها البيئي الكبير، وخطر الجني الجائر لها الذي قد يؤدي إلى انقراضها.
وأوضح حرفوش أن قانون الحراج رقم "39" لعام 2023 شدد على ضرورة حماية الأنواع الحرجية النادرة والمهددة بالانقراض، مؤكدًا أن دائرة الحراج ستقوم بملاحقة المخالفين تطبيقًا لقانون الحراج وتعليماته التنفيذية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي