نساء سوريا يواجهن صراعًا مريرًا: العادات والضغوط الاجتماعية تحرمهن من الميراث رغم وضوح القانون


هذا الخبر بعنوان "مجتمع يتسلح بالعيب والعادات لحرمان النساء من الميراث" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُشير بيانات وشهادات متواترة إلى استمرار ظاهرة حرمان النساء من الميراث كنمط اجتماعي راسخ في سوريا، يتغذى على مزيج من الضغوط العائلية والتقاليد غير الرسمية، وذلك على الرغم من وضوح الأطر القانونية والشرعية التي تكفل هذه الحقوق. وتكشف قصص متعددة كيف تتحول الثقة الأسرية إلى أداة للحرمان، مستغلة الجهل القانوني أو حسن النية لتثبيت التنازل عن الحقوق.
تُعد تجربة نهلة ناصر (اسم مستعار)، وهي أم لأربعة أطفال من صحنايا بريف دمشق، مثالًا صارخًا على ذلك. فقد امتنعت في البداية عن المطالبة بحقها في ميراث والدها خشية توتر علاقتها بإخوتها، خاصة في ظل الضغوط الاجتماعية التي تدفع النساء للتنازل “طوعًا” حفاظًا على تماسك الأسرة. ومع مرور الوقت، تحول هذا الصمت إلى عبء نفسي وشعور بالظلم والخذلان. روت نهلة أنها وثقت بشقيقها عندما طلب منها التوقيع على وكالة قانونية بحجة تسهيل إجراءات “الفراغ والتحاصص” بين الورثة، مؤكدًا لها أنه إجراء روتيني لا يمس حقوقها. قامت بوضع بصمتها بحسن نية دون اطلاع دقيق على محتوى الوثيقة. لكنها اكتشفت لاحقًا أن ما وقعت عليه لم يكن وكالة، بل وثيقة تنازل كامل عن حصتها في الميراث لمصلحته. ترك هذا التحايل أثرًا عميقًا في حياتها، ماديًا وأسريًا، حيث تصدعت العلاقة بصمت. عبرت نهلة عن شعورها بالعجز عن المواجهة خوفًا من القطيعة التامة مع عائلتها، ولم تجرؤ على البوح بذلك لأولادها أو زوجها إلا لاحقًا، لتجنب تصعيد الأمر.
وفي سياق مشابه، عاشت ن. ا. من ريف محافظة درعا تجربة قاسية بعد وفاة والدها. وعدها شقيقها الوحيد م. ا. بأن يكون سندها ويتكفل بنفقتها مقابل تنازلها وشقيقاتها عن حقهن في الميراث. قبلت ن. ا. بذلك ثقةً منها، لكن سرعان ما اكتشفت أن الوعود لم تُترجم إلى أفعال، ولم يلتزم شقيقها بما تعهد به. بل حاول الضغط على أخواته لإجبارهن على التنازل. لكن ن. ا. وشقيقاتها لم يقبلن هذا الظلم، فلجأن إلى وجهاء المجتمع طلبًا للإنصاف، حيث تم إجبار الشقيق على إعادة الحقوق إلى أصحابها، لكن التجربة تركت فيهن شعورًا بالخذلان وفقدان الثقة.
أما ز. ا.، وهي سيدة من مساكن برزة في دمشق، فقد واجهت موقفًا لا يقل قسوة. بعد وفاة والدها، دعاها شقيقها ع. ا. إلى وليمة، مستغلًا اللقاء ليقنعها بأنها لم تعد بحاجة إلى ميراث والدها بعد زواجها، رغم أن وضع زوجها المادي كان عاديًا. رفض شقيقها إعطاءها حصتها الشرعية، ما دفعها إلى صراع طويل امتد لسنوات. اضطرت ز. ا. للجوء إلى القضاء للمطالبة بحقها، وبعد إصرارها، وافق شقيقها على منحها جزءًا بسيطًا من حقها، لم يتجاوز ربع حصتها من الأرض، في مشهد يعكس تنازلًا قسريًا أكثر منه إنصافًا كاملًا.
تنتقد الباحثة الاجتماعية غدران نجم سلطة العُرف والعادات والتقاليد الموروثة التي تظلم المرأة تحت مسميات كالحفاظ على كيان العائلة أو بحجة “ما يطلع الرزق لبرا”. وتُرجع ذلك لأسباب اجتماعية وثقافية، رغم وضوح النصوص الشرعية، ومنها التفسير الخاطئ لمفهوم القوامة الذي يُفهم منه أن الرجل هو المالك الوحيد للقوة المالية، وتتحول مسؤوليته عن الإنفاق إلى حجة لمنع المرأة من الميراث بقول “أنت لستِ بحاجة، وأنا سأصرف عليك”.
تُظهر ظاهرة حرمان البنات والأخوات من حقوقهن الإرثية فجوة واضحة بين التشريع والتطبيق. فحرمان أي وارث من نصيبه يُعد مخالفة صريحة للشريعة الإسلامية، عملًا بالنص القرآني: “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين”. كما أن قانون الأحوال الشخصية السوري يعطي المرأة حقها كاملًا كالرجل في الميراث وفق الشريعة. ترى الباحثة غدران نجم أن المشكلة تكمن في نقاط ضعف بقانون أصول المحاكمات في المحاكم الشرعية الذي يعتمد غالبًا على الإقرار أو الصلح. وتشير إلى أن المرأة تصل إلى المحكمة بعد أن تكون قد وافقت على التنازل تحت ضغط العائلة، والمحكمة تصدّق على ذلك، مع غياب عقوبات رادعة للشقيق أو الأب الذي يحجب التركة، وضعف الوصول إلى العدالة. وتضيف أن المرأة في ريف بعض المحافظات تواجه صعوبة في قطع مسافات طويلة وتحمل تكاليف دعوى باهظة، بالإضافة إلى خوفها من نظرات المجتمع، مما يثنيها عن اللجوء للقضاء. لذا، تؤكد على أهمية وجود أو تفعيل محاكم متخصصة سريعة ومجانية، وموظفين مكلفين بالتوعية القانونية.
من جانبه، أكد المحامي عمار ناصر أن القانون السوري واضح في مسألة الميراث، إذ لا يمكن حجب حق المرأة في الإرث عبر المحكمة إلا في حال تنازلها الصريح عنه. والقاضي ملزم بالتحقق من أن هذا التنازل تم بإرادتها الحرة، من خلال الاستماع إليها بشكل منفرد، دون وجود أي طرف قد يمارس عليها ضغطًا. ورغم ذلك، أشار المحامي إلى وجود حالات حرمان في بعض المناطق الريفية، مؤكدًا أنها ممارسات مخالفة للقانون. وأوضح أن أي معاملة تتعلق بنقل الملكية بين الورثة، كـ”الفروغ”، يجب أن تسبقها عملية حصر إرث تشمل جميع الورثة دون استثناء، وبعدها يتم توزيع التركة عبر التنازل أو البيع أو الهبة. وحتى في حال وقوع تزوير أو تلاعب بحق أحد الورثة، فإن حقه القانوني لا يسقط، ويمكنه المطالبة به لاحقًا.
خلصت الباحثة نجم والمحامي ناصر إلى أن الحل لإنصاف المرأة يكمن في توعيتها وتمكينها من المعرفة بحقوقها الشرعية عبر مؤسسات الدولة مثل وزارة الأوقاف، ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، والمجالس المحلية. كما دعوا إلى إنشاء وحدات حماية اقتصادية للمرأة في المحاكم، مع التذكير بالخطابات الدينية لتصحيح المفاهيم الخاطئة، والتركيز على أن حق المرأة في الميراث عبادة وليس منّة.
يُقر قانون الأحوال الشخصية رقم “59” لعام 1953 وتعديلاته نصيب المرأة في الميراث بشكل واضح، ويطبق أحكام الشريعة الإسلامية في التوريث. والاختلاف في الأنصبة بين الذكر والأنثى لا يعني حرمان المرأة من الإرث، بل يعكس قاعدة شرعية في حالات معينة مثل اجتماع الذكر والأنثى في نفس درجة القرابة. وتتضمن النصوص القانونية أيضًا قواعد الحجب والرد التي تؤثر في تحديد من يرث بالفعل عند وجود ورثة متعددين.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي