صراع الثقافات: هل نحتفي بالحياة أم بالموت في بلادنا المنكوبة؟


هذا الخبر بعنوان "ثقافة الحياة.. ثقافة الموت" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُملي المنطق البسيط، الذي يكاد يكون بديهيًا، أن الحياة تفوق الموت قيمةً، ويؤكد ذلك مثل شعبي شائع يقول: "الحي أفضل من الميت". بناءً على هذا، من الأجدر بنا أن نتبنى ثقافة الحياة ونسعى جاهدين لإبعاد شبح الموت وثقافته عن أنفسنا. إلا أن الواقع في بلادنا المنكوبة يعكس هذا المبدأ تمامًا؛ فنحن نحتفي بالموت ونتغنى به، ونعتبره، وفقًا لشعار "الإخوان المسلمين"، "أسمى أمانينا". نبرر هذا السلوك بمبدأ غريب وعجيب لا أساس له من الصحة، وهو: "أحب الموت، توهب لك الحياة". لكن الحقيقة تقول إن من يحب الموت يموت، ويغرق فيه، ولن يجد من يبكي عليه أو يحتفي بذكراه، وسرعان ما يطويه النسيان.
إن محبة الموت، التي دعت إليها الأيديولوجيات الدينية والقومية، دفعتنا إلى التفاخر بقصة شاعرة جاهلية، يُقال إنها أدركت الإسلام (دون تأكيد لصحة هذا القول)، حيث استقبلت نبأ مقتل أبنائها الأربعة في معركة القادسية بفرح غامر، وحمدت الله على موتهم أو استشهادهم، دون أن تنصعق أو يُغمى عليها. الغريب أن هذه الشاعرة نفسها، وهي الخنساء، كانت مثالًا للمبالغة والتطرف في التعبير عن مشاعر الثكلى، فقد بكت أخيها صخر بحرقة شديدة، وخلدت ذلك في بيت شعري شهير يصف كيف يؤرقها تذكره مساءً، ولا تشفى منه بسبب "فرط الانتكاس".
بعد الخنساء، توالت الأمثلة، فصار لدينا شعراء وشاعرات ورواة ومحدثون يطالعوننا يوميًا بقصص أناس طلبوا الموت وسارعوا إليه بخفة. وعندما تتحقق أمنيتهم ويموتون، يفرح أهاليهم ويحتفلون ويتلقون التهاني. وإن لم يصبهم الموت، بكوا وحزنوا وحسدوا أقرانهم الذين حصدتهم سيوف الأعداء. وهذا، مع كل الاحترام، ادعاء صريح يخالف طبيعة النفس البشرية التي تتمسك بالحياة، إيمانًا بأنها فرصة واحدة لا تتكرر. أما الحياة الآخرة، فتتطلب إيمانًا أعمق وأكثر رسوخًا مما كان عليه إيمان الشيخ محمد متولي الشعراوي، هذا الداعية الذي كان من أبرز دعاة الموت، حتى إنه أفتى بضرورة ترك المريض يموت دون اللجوء إلى زرع الأعضاء، متسائلًا: "أنتم لا تريدون أن تتركوه يقابل ربه لماذا؟". المفارقة أن الشعراوي نفسه سافر إلى لندن لتلقي العلاج والنجاة من الموت، أو تأخيره قدر الإمكان.
لقد سبق لي، أنا كاتب هذه السطور، أن عبرت في حديث سابق عن هذا الأمر، مشيرًا إلى أن بلادنا تشتهر بالتضحية "بالآخرين" أكثر من أي شيء آخر. فإذا تتبعنا آدابنا وفنوننا وحكاياتنا، لوجدنا معظمها يتمحور حول التضحية "بالمال والولد"، ونادرًا ما نجد دعوة للتضحية بالنفس. هذا يقودنا إلى تساؤلات منطقية: أولًا، لماذا لا تضحي بنفسك؟ ثانيًا، هل حياة أبنائك ملك لك؟ ثالثًا، هل أنت متأكد أن القضية التي تتبناها تستحق أن تتخلى عن حقك وحق أبنائك في الحياة من أجلها؟
هذه الهواجس، في رأيي، تتطلب وقفات جدية ومراجعات شجاعة، وتجرّدًا من الشعارات البالية والخطابات الجوفاء التي لا تعدو كونها قرقعة أوانٍ تسقط في سكون الليل. إنهم، في حقيقة الأمر، يريدونك أيها الإنسان الطيب والجميل، أن تكون وقودًا لمشاريعهم، وأن تدفع أنت ثمن سياساتهم وتصفية حساباتهم وتحقيق مصالحهم الخاصة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة