محمد فارس: من ريادة الفضاء إلى أيقونة النضال السوري في ذكرى رحيله الثانية


هذا الخبر بعنوان "آرمسترونغ العرب في الذكرى الثانية لرحيله: محمد فارس من الفضاء إلى النضال" نشر أولاً على موقع قناة الإخبارية وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تحل اليوم، 19 نيسان، الذكرى الثانية لوفاة رائد الفضاء السوري اللواء الطيار محمد فارس، الذي عُرف بلقب "آرمسترونغ العرب"، نسبة إلى رائد الفضاء الأمريكي نيل آرمسترونغ، أول إنسان سار على سطح القمر. كان محمد فارس طياراً مقاتلاً على متن طائرة "ميغ 21"، ثم عمل مدرباً للطيران، ومثّل سوريا في رحلة فضائية خارجية برفقة رائدي فضاء روسيين، ليصبح بذلك أول سوري يرتاد الفضاء، وثاني عربي بعد الأمير سلطان بن سلمان آل سعود.
أول رائد فضاء سوري ومهمته العلمية
اختارت وكالة الفضاء السوفيتية اللواء محمد فارس من بين عشرات الضباط السوريين الذين خضعوا لاختبارات معقدة وصارمة للسفر في مهمة فضائية علمية على متن المكوك الفضائي السوفيتي الشهير "سيوز". أظهرت النتائج العلمية والبدنية والنفسية تفوقه وجدارته، ليصبح أول رائد فضاء سوري وعربي يدخل إلى الفضاء في مهمة ذات طابع علمي وعسكري. اكتسبت هذه الرحلة أهمية كبرى ليس فقط من الناحية التقنية، بل أيضاً من الناحيتين السياسية والمعنوية، حيث رفع محمد فارس اسم بلاده عالياً، وأثبت قدرة سوريا على المنافسة العلمية رغم محدودية إمكاناتها.
رحلة الفضاء: تجارب أكاديمية وعملية
بعيداً عن المظاهر الاحتفالية، انطلقت رحلة فارس على متن المكوك الفضائي "سيوز TM-3" إلى محطة "مير" الفضائية عام 1987، واستمرت سبعة أيام. خلال هذه الفترة، أجرى فارس تجارب علمية متعددة في مجالات الفيزياء والبيولوجيا والطب، وقد تكللت الرحلة بالنجاح الكامل. سُجلت التجارب التي أجراها في سجلات الأبحاث الفضائية الدولية، لتشكل بذلك مساهمة سورية خالصة في سجل التقدم العلمي العالمي. لعب فارس دوراً أكاديمياً وعلمياً بحتاً، وهو ما تؤكده الوثائق التي نشرها لاحقاً، والتي تثبت قيامه بتجارب متقدمة حول الحياة خارج الأرض، وتأثير انعدام الجاذبية على أعضاء الإنسان، وتوصيل السوائل. استفادت مراكز الأبحاث السوفيتية من نتائجه، مما جعله محل تقدير عالٍ داخل المؤسسات العلمية هناك.
تهميش وإقصاء النظام البائد لفارس
أظهر النظام البائد حقداً دفيناً تجاه محمد فارس منذ لحظة اختياره رائد فضاء لسوريا، حيث اتسمت التعاملات الرسمية معه بالتهميش والإقصاء لأسباب طائفية. تعرض فارس للتضييق حتى قبل الثورة، وتم تجميد أي مبادرة علمية كان يمكنه المشاركة فيها. أكد فارس في عدة مقابلات أنه طيلة سنوات بعد عودته من الاتحاد السوفيتي، لم يُمنح أي موقع علمي أو إداري يساعده في تطوير قطاع الفضاء أو التعليم العلمي. بل تم تجاهله بشكل متعمد لصالح شخصيات أقل كفاءة، لكنها كانت مقربة من النظام البائد ودوائره الأمنية. اعتبر فارس ذلك بمثابة اغتيال معنوي لطموحات الشباب السوري الراغب في التميز. كما حرم النظام البائد رائد الفضاء السوري من أي امتيازات كان من المفترض أن يحظى بها أي رائد فضاء في العالم، فلم تصرف له مخصصات علمية أو مالية مناسبة، ولم يُدعَ إلى منتديات علمية عربية أو دولية، وكان حضوره مقتصراً على مناسبات شكلية يراد منها فقط استخدام اسمه كواجهة دعائية، دون أي تمكين حقيقي أو مشاركة فاعلة.
انشقاقه عن النظام البائد ونضاله الوطني
مع بدايات الثورة السورية، أعلن اللواء محمد فارس انشقاقه عن النظام البائد، ليكون من أوائل الشخصيات العسكرية والعلمية التي رفضت قمع النظام وفساد منظومته الأمنية. كان هذا الإعلان بمثابة زلزال معنوي، نظراً لما يمتلكه فارس من رمزية وطنية وعلمية وعسكرية فريدة، مما هزّ النظام البائد داخلياً وأربكه أمام الأثر الكبير الذي أحدثه فارس في أوساط الشعب. بعد انشقاقه، بدأ رائد الفضاء محمد فارس نشاطاً وطنياً واسعاً، من خلال حضوره في معظم الفعاليات الشعبية والمؤتمرات الثورية، ومعارضاً إعلامياً. كان صوته يعبر عن ضمير السوريين جميعاً، فقد تماهى بصدق مع هموم الشعب، وكان صريحاً في وصفه لبنية النظام الاستبدادية الطائفية، ووقف داعماً لفكرة التغيير الجذري للواقع السوري نحو دولة مدنية وطنية. اضطر محمد فارس إلى مغادرة سوريا نتيجة ملاحقات النظام البائد وتهديدات أجهزته الأمنية، فانتقل إلى تركيا، وبقي محبوباً في الأوساط الثورية السورية. أجمعت فئات واسعة من الشعب في الداخل والخارج على تقدير مسيرته واعتباره أيقونة وطنية ومثالاً لمواقفه، وقد وحّد فارس حوله أطيافاً سياسية وعسكرية ومدنية.
رحيل محمد فارس وإرثه الخالد
غاب رائد الفضاء محمد فارس في 19 نيسان 2024، بعد رحلة طويلة من النضال العلمي والوطني، وكانت وفاته نتيجة تدهور حالته الصحية إثر إصابته بجلطة دماغية. كانت وصيته أن يدفن جثمانه في سوريا، الوطن الذي أحبه. خرج عشرات الآلاف من السوريين عند تشييع جثمانه في موكب جنائزي مهيب، يتقدمه علم الثورة وصوره وهو يرتدي بزة رائد الفضاء التي دخل بها التاريخ السوري والعربي.
نشأته وحياته العسكرية
ولد محمد فارس في مدينة حلب عام 1951، ونشأ في بيئة شعبية متوسطة، إلا أن أسرته أولت اهتماماً كبيراً بالعلم والمعرفة. برع منذ صغره في المواد العلمية، وبرز كطالب متميز في الفيزياء والرياضيات. التحق بالأكاديمية العسكرية وتخصص في الطيران الحربي، ثم تدرج في الرتب العسكرية حتى صار طياراً مقاتلاً في سلاح الجو، وعرف بانضباطه وشجاعته داخل الكلية وخارجها. أظهر فارس تفوقاً علمياً كبيراً خلال تدريباته في موسكو، وتمكن من إثبات جدارته في مختلف المجالات، ما أهله ليكون الخيار الأول للوكالة السوفيتية، واكتسب احترام المدربين السوفييت الذين اعتبروه أحد أنجح المتدربين الأجانب.
إرث محمد فارس: رمز للعلم والوطنية
ترك محمد فارس إرثاً وطنياً وعلمياً كبيراً، فهو لم يكن مجرد طيار أو رائد فضاء، وإنما شخصية متعددة الأبعاد جمعت بين العلم والنزاهة والوطنية. في ذاكرة السوريين، صار فارس رمزاً للعلم في مواجهة الجهل والاستبداد، وللنزاهة في مقابل الفساد، وقد تكرس هذا الإرث بعد انشقاقه. أصبح الإرث الذي تركه محمد فارس مادة تعليمية للجيل الجديد ومصدر إلهام لمن يريد أن يخدم سوريا الجديدة، كما يعتبر مثالاً واقعياً وانعكاساً حقيقياً لصورة المواطن السوري حين يمتلك فرصة عادلة بعيداً عن المحسوبيات والوساطات والتهميش.
الفارس: سيرة عطرة تجسد مأساة الكفاءات
تجسّد سيرة محمد فارس مأساة الشخصيات العلمية في ظل حكم النظام البائد، الذي همّش العقول واحتضن الولاءات الضيقة، فقتلت المشاريع العلمية في مهدها، وغيبت الكفاءات لصالح عناصر غير مؤهلة في معظم القطاعات، حتى أصبح معيار التقدم والترفع والتطور في المؤسسات هو الانتماء لا الكفاءة. ساهم فساد التعليم العالي في حقبة حكم النظام البائد لعائلة الأسد في تحطيم آمال آلاف الشباب السوريين الذين كانوا يحلمون بفرصة منصفة لإثبات قدراتهم، لكنهم اصطدموا بجدران البيروقراطية والمحسوبيات.
المصدر: الإخبارية
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي