“أيام معه”: رواية كوليت خوري التي أحدثت ثورة في الأدب العربي وكسرت قيود المجتمع


هذا الخبر بعنوان "“أيام معه”.. كوليت خوري في بوح خارج المألوف" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد رواية “أيام معه” للكاتبة السورية الراحلة كوليت خوري، التي صدرت في زمن كانت فيه لغة البوح الصريح نادرة ومثيرة للجدل، فتحاً مبكراً للصوت الأنثوي في الأدب العربي. يقوم النص على الاعتراف الصادق، مقدماً تجربة حب من زاوية داخلية عميقة، ويركز على التجربة الشعورية للبطلة وما يرافقها من قلق وتردد وصراع بين رغبات القلب وتوقعات المجتمع.
تدور أحداث الرواية حول “ريم”، الشابة المسيحية التي تعيش علاقة عاطفية مع “زياد مصطفى”، الموسيقي المسلم المشهور الذي يكبرها سنًا. يحضر “زياد” في حياتها كشخصية مختلفة عن محيطها، وتتطور العلاقة بينهما تدريجياً، لكنها تصطدم منذ بدايتها بحاجز غير مرئي من القيود الاجتماعية والتوقعات التقليدية، إضافة إلى نهاية غير مأمولة. تجد “ريم” نفسها منجذبة نحو الرجل، لكنها في الوقت نفسه تعيش تمزقاً داخلياً بين رغبتها في الاستمرار بالعلاقة وخوفها من نظرة المجتمع وفقدان توازنها الشخصي.
تُبنى الرواية على شكل سرد داخلي يشبه اليوميات أو الاعترافات، حيث تروي البطلة تفاصيل العلاقة من لحظات اللقاء والانتظار، مروراً بالشك والخيبة. لا تتضمن الرواية أحداثاً كبيرة أو تحولات درامية صاخبة، بل تتقدم الحكاية عبر تفاصيل صغيرة ومشاعر متراكمة، كاشفةً كيف يمكن لعلاقة عاطفية أن تتحول إلى مساحة للقلق والأسئلة. كما أن الرجل في الرواية لا يظهر كبطل تقليدي، بل كشخصية تثير في البطلة أسئلة أكثر مما تمنحها إجابات، ما يعمق من حالة الاضطراب التي تعيشها.
مع تقدم الأحداث، تبدأ البطلة بإعادة النظر في العلاقة، ليس فقط من زاوية الحب، بل من زاوية ذاتها وهويتها. تتكشف أمامها فجوة بين ما تريده لنفسها وما يفرض عليها، لتصل إلى لحظة مواجهة داخلية تحاول فيها فهم ما إذا كانت هذه العلاقة تمنحها الحرية أم تسلبها إياها. هذا التحول لا يأتي بشكل حاسم، بل عبر تدرج نفسي يعكس طبيعة التجربة نفسها. الرواية لا تقدم قصة حب مثالية، وإنما تضع القارئ أمام تجربة إنسانية معقدة، يكون فيها الحب مرتبطاً بالخوف والتردد والوعي الاجتماعي. لغتها بسيطة لكنها مشحونة بالعاطفة، وتعتمد على السرد الداخلي لتقريب القارئ من عالم البطلة، ما يجعل النص أقرب إلى اعتراف طويل يعكس تحولات امرأة تبحث عن نفسها داخل علاقة غير مستقرة.
في سياقها الزمني، شكلت “أيام معه” خطوة جريئة في الأدب السوري، إذ قدمت المرأة كشخصية تمتلك صوتها الخاص، وتعبّر عن مشاعرها دون مواربة. لم تقف الرواية عند حدود الحكاية، بل فتحت نقاشاً حول الحرية الفردية، والعلاقة بين الحب والمجتمع، وحدود الاختيار الشخصي، ما جعلها نصاً مبكراً في كسر الصورة النمطية للمرأة في السرد العربي.
تعد الكاتبة السورية كوليت خوري (1931-2026) من أبرز الأصوات النسائية في الأدب السوري، وواحدة من الكاتبات اللواتي قدّمن مبكراً خطاباً مختلفاً عن المرأة وعلاقتها بالمجتمع. ولدت في دمشق، وهي حفيدة السياسي البارز فارس الخوري، ما وضعها منذ بداياتها في بيئة ثقافية وسياسية مؤثرة. درست الأدب الفرنسي، وبدأت مسيرتها الأدبية في سن مبكرة، لتلفت الأنظار من خلال أعمالها التي اتسمت بالجرأة في تناول العاطفة والصوت الأنثوي. كتبت الرواية والقصة والمقالة، وعملت أيضاً في الصحافة والإذاعة، وكان لها حضور ثقافي وإعلامي لافت على مدى عقود. تُعد “أيام معه” من أبرز أعمالها، وشكلت محطة مفصلية في مسيرتها، وهي من النصوص التي أثارت جدلاً واسعاً عند صدورها. توفيت كوليت خوري في 10 من نيسان الحالي، بعد مسيرة أدبية طويلة، تاركة إرثاً ارتبط بتحولات المجتمع السوري وصورة المرأة فيه، كما أثارت الجدل في أعمالها، إضافة إلى جدل لاحق ارتبط بموقفها من الحرب في سوريا بعد عام 2011، إذ عُرفت بموقفها القريب من نظام الحكم في مواجهة الثورة السورية.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة