أسواق حماة: ارتفاع إيجارات العقارات الوقفية يهدد التجار بالفقدان في ظل الركود


هذا الخبر بعنوان "في أسواق حماة.. المحل ليس للبيع، لكنه مهدد بالفقدان" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في شارع العراق بمنطقة الحاضر في حماة، يقضي أبو محمود (اسم مستعار) يومه في انتظار الزبائن، بينما تدور في ذهنه حسابات لا تتوقف: كم يحتاج لتغطية إيجار محله؟ وهل سيتمكن من الاحتفاظ به إذا تغيرت الشروط أو ارتفعت القيمة في السنوات المقبلة؟ يقول أبو محمود: «أحتاج إلى المال ليس فقط لتأمين معيشتي ومعيشة أولادي، بل أيضاً لتغطية إيجار المحل السنوي وتجنب الغرامات المترتبة على التأخير».
هذا القلق لا يقتصر على أبي محمود وحده، بل يمتد ليشمل العديد من مستأجري العقارات الوقفية في أسواق الحاضر، وذلك بعد التغيير في آلية استثمارها وارتفاع إيجاراتها إلى مستويات يصعب على كثير من التجار تحملها. يأتي هذا في وقت تعاني فيه الأسواق من ركود واضح وتراجع في القدرة الشرائية للمواطنين.
يقع محل أبي محمود ضمن أحد الأبراج الثلاثة التابعة لمديرية الأوقاف في منطقة الحاضر، وهي من العقارات التي طُرحت في مزادات علنية نهاية عام 2022. ومع تطبيق هذا النمط الجديد من الاستثمار، شهدت قيم الإيجارات قفزة كبيرة نتيجة للمنافسة بين المستثمرين، لتصل قيمة بعض المحال إلى نحو 29 مليون ليرة سورية سنوياً.
لكن هذه القفزة في الإيجارات لم تواكبها حركة تجارية قادرة على استيعابها. فقد انعكس التراجع في الإقبال على الشراء وانخفاض القدرة الشرائية مباشرة على قدرة التجار على الالتزام بدفعات الإيجار، مما أدى إلى تأخر كثيرين في السداد وتراكم الغرامات عليهم.
يؤكد أبو محمود أن إيجار محله، البالغ نحو 12 مليون ليرة سورية سنوياً، يشكل عبئاً يصعب تحمله في ظل ركود السوق وضعف القوة الشرائية. ويضيف: «أنا محظوظ نسبياً مع استقرار إيجار محلي، لكن الزبائن قليلون مقارنة ببقية الأسواق، وأكثرهم من ذوي الدخل المحدود، فإذا ارتفعت الإيجارات لاحقاً، لن أستطيع تحملها». ويتابع: «أفتح محلي من الثامنة صباحاً وحتى منتصف الليل على أمل بيع أكثر، لكن دون جدوى، ولم أتمكن حتى الآن من دفع الضرائب».
لا يبدو قلق أبي محمود حالة فردية. فبحسب أحد أصحاب المحال المجاورة، اضطر كثير من التجار إلى الاستدانة لتغطية الإيجار السنوي، في ظل صعوبة تأمين هذه المبالغ من حركة بيع ضعيفة لا تكاد تكفي المصاريف الأساسية.
ويرى أبو محمود أن المشكلة لا تتعلق بالظروف الاقتصادية وحدها، بل أيضاً بغياب الوضوح في إدارة الملف من قبل مديرية الأوقاف. ويشير إلى أن المديرية لم تفتح باب الدفع لعدة أشهر خلال العام الماضي، مما أدى إلى تراكم المستحقات وارتفاع الغرامات مع نهاية العام. ويضيف أنه حاول تقسيط الدفعات كل ثلاثة أشهر لتخفيف العبء، لكنه اصطدم بالمشكلة نفسها، إذ بقي باب الدفع مغلقاً. وأمام هذا الواقع، فضل توجيه المال إلى شراء بضاعة جديدة بدلاً من تجميده من دون جدوى، معبراً عن قلقه بقوله: «لا أعلم كيف سأتمكن من تأمين المبلغ المطلوب قبل نهاية العام إذا استمر الوضع على هذا الحال».
ينظر كثير من التجار بقلق إلى إدارة هذا الملف، إذ يخشون أن تؤدي التغييرات المحتملة إلى تعديل شروط الاستثمار أو طرح المحلات في مزادات جديدة بأسعار أعلى وشروط أكثر صعوبة. ويخشى هؤلاء أن يفتح ذلك الباب أمام مستثمرين يمتلكون قدرة مالية أكبر، ما قد يترتب عليه فقدانهم لمحلاتهم ومصدر رزقهم، خصوصاً إذا عجزوا عن تسديد المستحقات في السنوات المقبلة.
تتضمن العقود الحالية شروطاً يعتبرها التجار قاسية، أبرزها رفع قيمة الإيجارات بنسبة 10% كل ثلاث سنوات، ما يجعلهم يتوجسون من تجديد العقود. ومع استمرار تراجع القدرة الشرائية وبطء حركة السوق، يبدو هذا التصاعد مرشحاً لدفع الإيجارات إلى مستويات يصعب تحملها. بموجب هذه الآلية، قد يرتفع إيجار محل أبي محمود، البالغ حالياً نحو 12 مليون ليرة سورية سنوياً، إلى ما يقارب 17.5 مليون ليرة مع نهاية مدة العقد، في حين قد تتجاوز إيجارات بعض المحال الأخرى، التي تبلغ اليوم نحو 29 مليون ليرة سنوياً، حاجز 42 مليون ليرة.
يعبر أبو محمود عن هذا القلق قائلاً: «رغم أن عقودنا مستمرة لمدة 15 عاماً، إلا أننا نخشى ما يتداول عن عدم رضا الوزارة عن هذه العقود. نخشى أن نصل إلى مرحلة يصبح فيها المبلغ الذي ندفعه اليوم قليلاً مقارنة بما قد يفرض لاحقاً. وإذا حصل ذلك، فسيكون تأثيره علينا كبيراً، لأن خسارة هذه المحلات تعني خسارة مضاعفة».
يختلف واقع منطقة الحاضر، التي تعتمد بشكل أساسي على زوار من الريف وأصحاب الدخل المحدود، عن منطقة السوق، حيث ترتفع القدرة الشرائية وتكون حركة التجارة أكثر انتظاماً. نعبر ضفة نهر العاصي باتجاه السوق، حيث تتبدل الصورة: حركة مستمرة، وضجيج سيارات ومارة يعكس كثافة النشاط التجاري. الزبائن هنا أكثر انتظاماً، ما يجعل أرباح التجار أكثر استقراراً مقارنة بمنطقة الحاضر. هذا الفرق انعكس أيضاً على آلية استثمار المحال. ففي السوق، تعتمد غالبية المحال على نظام الفروغ التقليدي، الذي يوفر استقراراً نسبياً في الإيجارات، بينما اتجهت مديرية الأوقاف في الحاضر إلى المزادات العلنية، ما أدى إلى ارتفاع كبير وغير متوقع في القيم الإيجارية.
ورغم هذا الاستقرار النسبي، يعيش التجار في السوق حالة من القلق بسبب تأخير تقييم الإيجارات. إذ ينص قانون الاستئجار على إجراء التقييم كل ثلاث سنوات، مع إمكانية رفع الإيجار بنسبة تصل إلى 30%. وكان من المفترض تنفيذ هذا التقييم خلال العام الماضي، إلا أن المديرية لم تجره حتى الآن، ما زاد من حالة الترقب والضبابية.
يقول سالم (اسم مستعار)، أحد مستأجري محلات الوقف في شارع الدباغة: «الضبابية تزداد مع الحديث المتكرر عن نية المديرية رفع القيم، ثم نفي ذلك، ما يتركنا في حالة ترقب دائم وخوف من وصول الإيجارات إلى مستويات لا يمكن تحملها، أو فقدان محلاتنا إذا لم نتمكن من السداد وفق التقييم الجديد».
توجهنا إلى مديرية الأوقاف في حماة للاطلاع على وجهة نظرها الرسمية، حيث أكدت المديرية استمرار العمل بالقانون رقم 31 الصادر عام 2018، لكنها لم تنف وجود نية لتعديل الآلية، مشيرة إلى وجود نقاشات جارية لمراجعة بعض البنود وإدخال تغييرات عليها. وأوضح جهاد البر، موظف في دائرة الأملاك الوقفية، أن مخاوف المستأجرين تعود جزئياً إلى عدم وضوح آلية التطبيق والشروط والنسب، مشيراً إلى أن التطبيق السابق كان يراعي في كثير من الأحيان مصلحة المستأجر، بينما يركز التوجه الحالي على حماية أصول الوقف وتلافي الثغرات الموجودة في القانون.
وأكد البر أن التوجه العام لن يتغير من حيث المبدأ، لكنه سيعطي أهمية أكبر لتنظيم العلاقة التعاقدية وتطبيق الشروط، نافياً ما يتداول حول استرداد العقارات بشكل قسري، ومؤكداً أن الإجراءات تندرج ضمن تطبيق القوانين النافذة، خصوصاً في حالات المخالفات. وفي ما يتعلق بتقدير القيم الإيجارية، أشار إلى أن التقييم يختلف بحسب الموقع وطبيعة النشاط التجاري، وقد يتباين حتى ضمن المنطقة الواحدة وفق عوامل مثل موقع المحل ومساحته وقربه من الشوارع الرئيسية، وهو ما يفسر الفروقات بين مناطق مثل الحاضر والسوق.
يقترب النهار من نهايته في محل أبي محمود. يخرج كرسيه ويجلس أمام المحل، يتبادل الأحاديث مع جيرانه، بينما تمر لحظات من الحركة لا تلبث أن تخفت. فقد تراجعت حركة الزبائن بشكل ملحوظ خلال العام الذي تلا سقوط نظام بشار الأسد، وانعكس ذلك على المبيعات في ظل ركود البضائع وارتفاع الأسعار. لكن القلق بالنسبة له لا يتوقف عند ضعف البيع. فالرجل الذي خسر والده محله بعد أربعين عاماً من العمل، يجد نفسه اليوم أمام مخاوف مشابهة، مع تغير آليات الاستثمار وغياب الوضوح في القرارات الإيجارية.
الخوف من رفع القيم أو إعادة تقييمها بشكل مفاجئ لا يعني له مجرد أرقام، بل احتمال خسارة المكان نفسه بكل ما يحمله من ذكريات: طفولته، شبابه، يومه هذا، وربما مستقبله أيضاً. في النهاية، يبقى أبو محمود وجيرانه في محال منطقة الحاضر أسرى حالة من القلق، حيث تحمل كل مرحلة جديدة من القرارات أسئلة مفتوحة عن المصير. فالهدوء الذي يخيم على السوق بين الحين والآخر لا يمنحهم الاطمئنان، والخوف من تغير آليات الاستئجار وارتفاع القيم الإيجارية يثقل كاهلهم، خاصة في ظل الضبابية وتناقض الأحاديث حول نية المديرية رفع الأسعار أو الإبقاء عليها. كل يوم يمر يعيد إلى الأذهان قصص خسارات سابقة، كخسارة والد أبي محمود محله بعد أربعين عاماً من العمل، لتتحول هذه المحال من مجرد أماكن للبيع إلى سجل حي لقصص أصحابها وذكرياتهم. وفي ظل هذه الضبابية، يبقى الخوف من فقدان المكان والرزق والهوية حاضراً، يذكرهم أن محالهم ليست مجرد عقارات، بل جزء من حياتهم وذاكرة المدينة نفسها.
أنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MICT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة. صوت سوري _ ندى حبّال
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد