النيربين: حديقة دمشقية مغلقة.. تاريخ يتنفس رغم الأبواب الموصدة


هذا الخبر بعنوان "النيربين.. الحديقة التي لم تغب رغم الإغلاق" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُظهر حديقة "النيربين" في حي المهاجرين بدمشق، حالاً من الإغلاق التام فور الوصول إليها. فبواباتها الأربعة موصدة بإحكام، وسورها الحديدي يحيط بالمكان كفاصل واضح بين الداخل والخارج. وقد أبقت محافظة دمشق الحديقة على هذا الحال منذ تشرين الأول من العام الماضي، دون أي إعلان يوضح مصيرها المستقبلي أو موعد إعادة فتحها.
لكن هذا الإغلاق لم يقطع صلة الناس بالمكان تماماً. فبعض المارة ما زالوا يجدون طرقاً غير مباشرة للدخول، عبر فتحات ضيقة في السور أو قفزات سريعة فوق الحواجز، وهي حركات يتقنها من اعتادوا المكان. وكان الأطفال الأكثر إصراراً على اقتحام الحديقة، بحثاً عن مساحة للعب والركض لا توفرها الأزقة الضيقة والشوارع المزدحمة. أما بعض السكان، فواصلوا الدخول إليها لسبب آخر، وهو الحصول على مياه عين الفيجة المتدفقة داخلها. يتجاوزون السور بحذر، يملؤون أوعيتهم، ثم يغادرون حاملين معهم جزءاً من نبع ظلّ حاضراً في حياتهم اليومية، حتى بعد إغلاق الحديقة.
في طبقاتها الأقدم، لم تكن "النيربين" حديقة بالمعنى المعروف اليوم، بل كانت تلة تطل على بساتين دمشق، وتحتضن معالم تاريخية عريقة مثل دير مرّان وقصر خمارويه. ويذكر ياقوت الحموي في كتابه "معجم البلدان" أن الدير كان مبنياً من الجص، وأرضه مبلّطة ومحاطاً بالأشجار، ويحتوي في داخله على "صور دقيقة المعاني".
وتشير مصادر تاريخية أخرى، منها كتاب "خطط دمشق" لصلاح الدين المنجد، إلى أن أراضي النيربين كانت تمتد من قبة السيّار غرب جبل قاسيون نزولاً نحو الربوة والصالحية والجسر الأبيض، في مساحة أوسع بكثير من حدود الحديقة الحالية. وفي هذا الامتداد، لعب نهر بردى دوراً أساسياً في تشكيل المكان، حيث كانت مياهه تتفرع لتشكل ما عُرف بـ "النيرب الفوقاني" في الجهة الشمالية، و"النيرب التحتاني" في الجهة الجنوبية. أما اسم "النيرب" نفسه، فيعود إلى أصل آرامي يعني "الوادي"، وهي دلالة بقيت ملازمة للمكان رغم تغيّر وظائفه عبر الزمن.
حتى أواخر القرن التاسع عشر، ظلت المنطقة المحيطة بالنيربين شبه خالية من العمران، ولم يكن فيها، بحسب الدكتور صفوح خير في كتابه "مدينة دمشق.. دراسة في جغرافية المدن"، سوى بيت الداغستاني قرب ما يُعرف اليوم بـ "طلعة الباش كاتب". لكن التغيير بدأ مع تشكّل حي المهاجرين أواخر العهد العثماني، حين استقر فيه الأتراك والشركس وغيرهم عقب فرارهم من الحرب الروسية–التركية، بموافقة والي دمشق آنذاك ناظم باشا. ومع دخول المكان إلى خريطة المدينة الحديثة، بدأ حضوره يتبدل. ففي عام 1898، زار غليوم الثاني، إمبراطور ألمانيا، تلة النيربين، حيث أُعدّت له مصطبة حجرية وقف عندها متأملاً الموقع، ويُروى أنه أبدى إعجابه بالمكان، في واحدة من اللحظات التي كرّست التلة بوصفها نقطة تطل على المدينة وتستدعي الانتباه.
مع مطلع القرن العشرين، بدأت المنطقة المحيطة بالنيربين تأخذ شكلاً عمرانياً وإدارياً أكثر وضوحاً، مع دخول وسائل النقل الحديثة إلى دمشق. ففي عام 1904، وصلت سكة الترامواي إلى الساحة الواقعة أسفل التلة، والتي صارت تُعرف لاحقاً باسم "ساحة آخر الخط". ومع وصول الترامواي، بدأ المكان يدخل تدريجياً في نسيج المدينة الحديثة. شُيّد قصر ناظم باشا، ثم قصر مصطفى باشا العابد عام 1907، وأُطلق اسم شارع خورشيد على الطريق الذي يحد الحديقة من الأعلى، نسبة إلى المهندس المصري خورشيد وهبة، مصمم قصر ناظم باشا.
لكن النيربين، رغم هذا التحول العمراني، بقيت لعقود مساحة أقرب إلى الهامش الأخضر منها إلى قلب المدينة. وفي منتصف القرن العشرين، بدأت تتحول إلى مقصد للأهالي الباحثين عن فسحة خارج ازدحام دمشق، ومكان بسيط للسيران والجلوس. يستعيد محمد أبو الخير الدقر، مختار حي المهاجرين، البالغ من العمر 71 عاماً، تلك المرحلة قائلاً: "لما سكنا هون عام 1961 كان مكان الحديقة خرابة، وجزء منه كان مقهى، الناس كانت تعمل سيرانها هون، أغلب تجار الحميدية يجوا يسهروا بآخر الخط، الأكابر يلي معها فلوس تقعد بالمقاهي، أما العاديين يقعدوا على الحشيشات، وبتذكر هالشي تماماً".
في سبعينيات القرن الماضي، بدأت ملامح المكان تتغير أكثر مع وصول مشاريع البنية التحتية والمياه إلى المنطقة، وتراجع البساتين التي كانت تحيط بها. ويصف المختار هذه المرحلة بوصفها نقطة تحول أساسية في تاريخ النيربين، قائلاً: "ابن عمي كان بالمؤسسة، وكلف بحفر خزان الفيجة هون بالجبل بعمق طوله 600 متر، ولسه بتذكر كيف كانوا يفجروا الجبل ليسهّلوا حفره". ومع نهاية الثمانينيات، بدأت التلة تفقد شكلها القديم تدريجياً. يتذكر مثنّى الخطيب، الذي كان في العاشرة من عمره آنذاك، تلك اللحظة قائلاً: "لسه بتذكر لما قعدوا يصبوا الباتون فيها على شكل مدرجات، ويبنوا هالبحرات فيها". بهذه الأعمال، بدأت النيربين تتحول من تلة مفتوحة إلى مساحة منظمة ذات شكل واضح، تُعاد صياغتها كحديقة عامة داخل مدينة تتوسع بسرعة.
ومع مطلع التسعينيات، افتُتحت الحديقة أمام الزوار. المياه التي كانت تروي البساتين سابقاً، تحولت إلى شلالات تنحدر عبر المدرجات، وصار المكان متنفساً لأهالي الحي وزواره. نور، وهي من رواد الحديقة في تلك المرحلة، تستعيد حضورها في تفاصيل الحياة اليومية بقولها: "كنا نطلع كل خميس، لما نضوج بالبيت، نجيب معنا فلافل ومشروب البرتقال ونقعد بالساعات هناك". في هذه الشهادة، تبدو وظيفة الحديقة كما عرفها السكان بوضوح، مكاناً بسيطاً للجلوس والهواء، ولتخفيف ضغط الحياة داخل مدينة كانت تضيق شيئاً فشيئاً.
بعد عام 2011، ومع انطلاق الثورة السورية وما تبعها من قمع، بدأت علاقة الناس بحديقة النيربين تتغير. لم تعد الحديقة فقط مكاناً مفتوحاً للجلوس والهواء، بل تحولت تدريجياً إلى مساحة أقل أماناً وأقل حضوراً في الحياة اليومية للسكان. على المدرجات الخمس داخل الحديقة، أُنشئت خمس غرف صغيرة. وبحسب رواية مثنّى الخطيب، أحد سكان حي خورشيد، كانت اثنتان منها للحراسة، بينما أُغلقت الغرف الثلاث الأخرى منذ سنوات. لكن وجود هذه الغرف، كما يقول سكان الحي، لم يعد مجرد تفصيل داخل الحديقة، بل ارتبط بسيطرة أمنية وعسكرية أبعدت كثيرين عنها. يقول حسين، وهو شاب من سكان الجبل: "كانت الحديقة تحت سيطرة الحرس الجمهوري بالكامل، ومفاتيح الغرف لديهم وحدهم". أما محمد أبو الخير الدقر، مختار الحي، فيقول إن هذه الغرف ارتبطت في أذهان السكان باستخدامات مشبوهة، وبوجود عناصر من الحرس الجمهوري الذين كانوا يسيطرون على المكان. هذا الواقع، كما يرويه السكان، دفع كثيراً من الأهالي إلى الابتعاد عن الحديقة تدريجياً، بعد أن فقدت صورتها القديمة كمكان مفتوح وآمن للجميع.
تقف الحديقة اليوم بين درجين، كأنها عالقة بين صورتين متناقضتين. إلى اليسار، درج مهمل تتراكم عليه الأوساخ، ويعكس حال الإهمال الذي وصل إليه المكان. وعلى الجهة المقابلة، درج يعرفه الأهالي باسم "درج الخير" أو "درج النيربين"، لكن شباب الحي أعادوا تسميته قبل سنوات بـ "درج الأمل"، بعد أن طلوه بزخارف زرقاء.
منذ إغلاق الحديقة، لم يعد الدخول إليها يتم عبر البوابات، بل من خلال فتحات ضيقة في السور. في الداخل، لا يزال بعض الأطفال يلعبون، فيما يدخلها آخرون للوصول إلى مياه عين الفيجة الموجودة داخلها. وعند سؤال الموجودين عن سبب الإغلاق، تتكرر العبارة نفسها تقريباً: "من وقت الحادثة سكرت الحديقة وشمّعوها". وقعت الحادثة في تشرين الأول من العام الماضي، حين انتهى خلاف بين مجموعة شبان بطعن أحدهم حتى الموت. بعد ذلك، أُغلقت الحديقة "حتى إشعار آخر". منذ ذلك الوقت، لم تعد النيربين متنزهاً عاماً كما عرفها الناس، بل صارت مكاناً معلّقاً بين الحضور والغياب. هي موجودة في قلب الحي، لكن أبوابها مغلقة. لا تزال تُستخدم بطرق جانبية، لكنها لم تعد متاحة كما كانت. بالنسبة إلى كثير من السكان، لا يتوقف القلق عند الإغلاق نفسه، بل يتجاوزه إلى ما قد يحدث لاحقاً، كأن يعاد افتتاحها يوماً بشكل مختلف، كمشروع مأجور، أو مساحة تجارية مستثمرة، أو مكان لا يشبه تاريخها وعلاقتها مع الناس. وفي مدينة تضيق يوماً بعد يوم، تبدو خسارة مكان كهذا أكبر من مجرد إغلاق حديقة. إنها خسارة مساحة كانت، على بساطتها، متاحة للناس بلا مقابل. مساحة للهواء والجلوس واللعب، ولشيء صار نادراً في دمشق اليوم: مكان عام يمكن دخوله من دون شروط، ومن دون دفع المال.
سوريا محلي
سوريا محلي
صحة
سوريا محلي