المصرف المركزي السوري يحدد استراتيجية الاستقرار النقدي: ركيزة للتعافي وإعادة الإعمار في مواجهة التحديات


هذا الخبر بعنوان "كيف يتحقق الاستقرار النقدي في ظل تحديات داخلية ومتغيرات إقليمية؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يؤكد مصرف سوريا المركزي على الأهمية القصوى للاستقرار النقدي، معتبراً إياه حجر الزاوية في مسار التعافي الاقتصادي وعمليات إعادة الإعمار. يأتي هذا التأكيد في ظل تحديات داخلية متزايدة ومتغيرات إقليمية تلقي بظلالها على الأسواق المالية.
تندرج هذه الرؤية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى ضبط معدلات التضخم، وتعزيز استقرار سعر الصرف، وصون القوة الشرائية للعملة الوطنية. كما تشمل تطوير البنية المؤسسية للقطاع المصرفي، بما يسهم في تهيئة بيئة مالية أكثر انضباطاً وقدرة على دعم متطلبات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار.
غير أن الخبراء يربطون نجاح هذا المسار بقدرة المؤسسات النقدية والمصرفية على التكيف الفعال مع التحديات الراهنة وتطوير أدواتها بما يواكب متطلبات المرحلة الحالية.
أكد حاكم مصرف سوريا المركزي، الدكتور عبد القادر الحصرية، أن الدور الأساسي للمصرف يتمحور حول الحفاظ على الاستقرار النقدي، الذي يعتبر الركيزة الأساسية لأي عملية تعافٍ اقتصادي وإعادة إعمار مستدامة.
وأوضح الحصرية، في تصريح له يوم الثلاثاء، أن السياسات النقدية للمصرف تركز على محاور رئيسية تشمل ضبط التضخم، وتعزيز استقرار سعر الصرف، وحماية القوة الشرائية للعملة الوطنية. ويهدف ذلك إلى ترسيخ الثقة بالاقتصاد وتهيئة بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار والإنتاج. وشدد على أن غياب الاستقرار النقدي يحول دون تحقيق الأهداف المرجوة لأي جهود تنموية أو خطط لإعادة الإعمار.
يعكس تصريح الحصرية توجهاً واضحاً نحو إعادة ترتيب الأدوات المالية بما يتناسب مع مرحلة إعادة الإعمار المرتقبة.
من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي الدكتور يحيى السيد عمر أن جوهر هذا التوجه يبرز الاستقرار النقدي كشرط أساسي لأي مسار اقتصادي قابل للاستمرار. وصرح السيد عمر لصحيفة “الثورة السورية” بأن الاقتصادات التي تعاني من تقلبات حادة في العملة أو ارتفاعات متسارعة في الأسعار تواجه صعوبات جمة في جذب الاستثمار أو تنشيط الإنتاج. لذا، فإن ربط السياسات النقدية بأهداف واضحة، مثل التحكم بالتضخم، يعد ضرورة ملحة لضبط الإيقاع العام للنشاط الاقتصادي.
وأضاف الخبير الاقتصادي أن السياسة التي أشار إليها الحاكم تعتمد على استخدام أدوات نقدية تهدف إلى إدارة السيولة داخل السوق بكفاءة أعلى. ويعني ذلك العمل على موازنة العرض النقدي مع مستوى الإنتاج والطلب الفعلي، مما يقلل من ضغوط التضخم ويحافظ على استقرار نسبي في الأسعار. كما يشكل تعزيز متانة القطاع المصرفي جزءاً أساسياً من هذه المقاربة، نظراً لدوره الحيوي في نقل الأموال وتمويل الأنشطة الاقتصادية.
يراقب المصرف المركزي عن كثب تداعيات الأزمة الراهنة في المنطقة وما قد تفرضه من ضغوط على أسواق الطاقة وحركة التحويلات والتجارة الإقليمية، وفقاً للحصرية.
وأوضح الحصرية أن المتغيرات الحالية تستدعي يقظة مستمرة وسياسات نقدية مرنة قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية والحد من انعكاساتها السلبية على الاقتصاد الوطني. وشدد على أن المصرف يعمل بجدية على استخدام الأدوات المتاحة بكفاءة، وتعزيز متانة القطاع المصرفي، وضمان انسيابية النظام المالي، بما يدعم تمويل الأنشطة الاقتصادية الحيوية ويسهم في تحفيز النمو.
تشهد المنطقة تطورات متسارعة على صعيد أسواق الطاقة والتحويلات المالية، وذلك على خلفية الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، في وقت تسعى فيه سوريا لتعزيز استقرارها النقدي وتهيئة المناخ الملائم لجهود التعافي وإعادة الإعمار بعد سنوات من الحرب والعقوبات.
وأشار السيد عمر إلى أنه في ظل الظروف الإقليمية المتقلبة، وخاصة ما يتعلق بأسعار الطاقة، يواجه الاقتصاد السوري تحديات خارجية متعددة تنعكس بشكل مباشر على الاستقرار الداخلي. وتفرض هذه العوامل ضرورة تبني سياسات مرنة قادرة على التكيف مع المتغيرات السريعة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على أهداف الاستقرار العام.
من الناحية العملية، يرى الخبير الاقتصادي أن ضبط سعر الصرف يمثل ملفاً حساساً في الاقتصاد السوري، إذ ينعكس استقرار العملة الوطنية مباشرة على مستوى المعيشة وثقة الأفراد، ويسهم في الحد من تقلب الأسعار وتعزيز القدرة على التخطيط. وفي الوقت نفسه، ترتبط حماية القوة الشرائية بالاستقرار الاجتماعي، لأن تآكلها يفرض ضغوطاً معيشية تحد من النشاط الاقتصادي، مما يجعل تحقيق التوازن بين ضبط الكتلة النقدية وتوفير السيولة أمراً ضرورياً لدعم الإنتاج والتجارة.
وكان الحصرية قد أوضح أن التحديات المتزايدة التي تواجه سوق الصرف تتطلب تعزيز تنظيم المهنة وتمكين العاملين فيها من ممارسة نشاطهم ضمن بيئة مهنية مستقرة ومنضبطة، بما ينسجم مع استراتيجية مصرف سوريا المركزي، لا سيما التركيز على بناء سوق صرف متوازن وشفاف. ولفت إلى أن تطوير البنية المؤسسية والمهنية للقطاع يعد خطوة أساسية لترسيخ التعامل عبر القنوات الرسمية ودعم كفاءة السوق.
يبرز دور المصارف كأداة تنفيذية رئيسة للسياسة النقدية. فإدارة السيولة داخل الفروع المصرفية وتوجيهها بشكل عادل ومنظم يساعد في تقليل التفاوت داخل السوق المالية، كما يسهم ذلك في تعزيز الثقة بين المتعاملين والمؤسسات المالية، وهو عنصر ضروري لأي عملية إعادة بناء اقتصادي، وفقاً للسيد عمر.
وأضاف السيد عمر أن هذه التوجهات تأتي في وقت تسعى فيه سوريا إلى إعادة صياغة بيئتها الاقتصادية ضمن ظروف معقدة تتداخل فيها العوامل الداخلية مع الضغوط الخارجية. ومع استمرار التحديات المرتبطة بتذبذب أسواق الطاقة، تصبح الحاجة إلى سياسات نقدية دقيقة أكثر إلحاحاً لضمان الحد من المخاطر المالية.
وفي ضوء ذلك، يرى الخبير الاقتصادي أنه يمكن النظر إلى التركيز على الاستقرار النقدي باعتباره مدخلاً أساسياً لإعادة الإعمار، وليس مجرد هدف اقتصادي منفصل. ولفت إلى أن إعادة بناء البنية التحتية وتوسيع النشاط الإنتاجي يتطلبان نظاماً مالياً قادراً على توفير التمويل المستقر وتقليل المخاطر المرتبطة بتقلبات السوق.
يرتبط نجاح هذه السياسات بقدرتها على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار قصير الأمد وأهداف النمو طويل الأمد. فالشدة النقدية المفرطة قد تحد من النشاط الاقتصادي، بينما يؤدي التوسع غير المنضبط إلى ضغوط تضخمية جديدة، مما يجعل الإدارة المتوازنة ضرورة تراعي طبيعة المرحلة الحالية، وفق الخبير الاقتصادي.
وشدد السيد عمر على أن الخطاب النقدي يعكس توجهاً نحو إعادة بناء الأسس المالية للاقتصاد السوري على قواعد أكثر استقراراً، مع بقاء نجاح هذا المسار مرتبطاً بقدرة المؤسسات النقدية والمصرفية على التكيف مع التحديات وتطوير أدواتها بما يواكب متطلبات التعافي التدريجي وإعادة الإعمار في بيئة اقتصادية شديدة التعقيد.
وكان الحصرية قد أكد أن الحفاظ على الاستقرار التزام راسخ يعمل عليه المصرف المركزي يومياً، بالتوازي مع دعم السياسات الاقتصادية العامة، لتحقيق التوازن بين متطلبات الاستقرار وآفاق التنمية، ووضع أسس لاقتصاد أكثر صلابة وقدرة على مواجهة التحديات.
وفي الثالث من شهر شباط الماضي، طلب المصرف المركزي من إدارات المصارف العاملة توجيه الفروع لديها لاتخاذ كل الإجراءات اللازمة لإدارة السيولة النقدية المتوفرة بشكل موضوعي وعادل، بهدف تعزيز قوة السياسة النقدية وتطويرها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد