لقاء غير متوقع: الشرع وكعكة.. من صراع الدم إلى صورة تجمع الخصوم في دوما


هذا الخبر بعنوان "الشرع يمسك بيد كعكة.. لماذا كانت الصورة مستحيلة؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أثارت صورة جمعت الرئيس السوري، أحمد الشرع، ورئيس الهيئة الشرعية العامة في "جيش الإسلام" (المنضم حاليًا إلى وزارة الدفاع)، سمير علي كعكة "أبو عبد الرحمن"، استغرابًا واسعًا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، حيث وصفها البعض بأنها "مستحيلة حتى على الذكاء الاصطناعي". يعود هذا الدهشة إلى تاريخ طويل من الاقتتال الدامي والفتاوى التي أُصدرت بين الفصائل، والتي أزهقت أرواحًا كثيرة خلال صراعات داخلية بدأت في الغوطة الشرقية بريف دمشق، وامتدت لاحقًا إلى شمال غربي سوريا، وتحديدًا ريف حلب، بعد أن قام النظام السوري السابق بتهجير الفصائل المقاتلة وأهالي المقاتلين والمدنيين إلى تلك المناطق.
لقد كان بين الرجلين "ما صنع الحداد" من عداء عميق، تمثل في تبادل الاتهامات بالخيانة والعمالة، ووصولًا إلى وصف بعضهم البعض بـ"الخوارج" (وهو مصطلح يطلق على المتشددين، خاصة تنظيم الدولة الإسلامية)، بل وتجاوز ذلك إلى تنفيذ إعدامات طالت عناصر من الطرفين. لكن المشهد تغير أخيرًا بوقوفهما جنبًا إلى جنب في دوما، التي تُعد المعقل الرئيسي لـ"جيش الإسلام". هذا اللقاء جاء عقب الإفراج عن القائد السابق لـ"جيش الإسلام" والقيادي الحالي في الجيش السوري، عصام بويضاني، من سجون الإمارات في 23 من نيسان، وذلك بفضل مساعٍ قام بها الرئيس السوري أحمد الشرع.
تعود بداية الخلافات بين "جيش الإسلام" و"فيلق الرحمن" إلى سيل من الدعوات التي أطلقها الشيخ والداعية سمير كعكعة أمام حشد من المقاتلين والحضور، تدعو إلى "تفريق الجمع، وتشتيت الشمل، وتجميد الدماء في العروق". هذه الدعوات، التي قد تبدو للوهلة الأولى موجهة ضد الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، كانت في الواقع ضد "أبو محمد الجولاني" (الشرع)، الذي كان قائدًا لـ"هيئة تحرير الشام" (التي تشكل نواة السلطة السياسية والعسكرية حاليًا).
لم يقتصر الخلاف على مستوى الدعوات والخطاب، بل امتد ليُخط بالدماء على الأرض، مستنزفًا المئات من المقاتلين من ثلاث جهات رئيسية: "جيش الإسلام" و"فيلق الرحمن"، اللذان كانا أصل النزاع، بالإضافة إلى "جبهة النصرة" (الاسم القديم لهيئة تحرير الشام) التي ساندت "الفيلق" في قتاله ضد "الجيش".
اندلعت هذه الخلافات في الغوطة الشرقية نتيجة لأحداث متداخلة، كان منشؤها محاولة الفصائل المسيطرة فرض نفوذها على المنطقة الجغرافية المحيطة بالعاصمة السورية دمشق. وارتبطت هذه الصراعات أيضًا باختلافات منهجية، حيث رفع "جيش الإسلام" راية "السلفية"، بينما أعلن "فيلق الرحمن" اعتماده على "الإسلام الوسطي المعتدل".
وبالإضافة إلى الخلافات المنهجية، تعمق الاقتتال بشكل رئيسي بسبب مناصرة "جبهة النصرة" لـ"فيلق الرحمن"، على الرغم من الاختلاف المنهجي الواسع بين الجانبين. إلا أن "النصرة" كانت من أبرز المنافسين لـ"الجيش" على الساحة "الجهادية"، حيث ينتمي كلاهما إلى التيار "السلفي" بفروعه المختلفة.
بلغت "حرب الشرعيين" وذروة الاقتتال بين "جيش الإسلام" و"فيلق الرحمن" في نيسان عام 2016، وخلال أشهر قليلة، سقط أكثر من 500 مقاتل من الجانبين، إضافة إلى مئات الأسرى. ثم توسعت هذه الصراعات أيضًا عام 2017، وهو ما استغله جيش النظام السوري السابق لاحقًا، وأدى إلى تهجير هذه الفصائل إلى شمال غربي سوريا. وخلال هذه الفترة، برز صوت "أبو عبد الرحمن كعكة" كأحد أبرز الأصوات التي دعت إلى الاقتتال وحرضت على الفصائل المنافسة، لا سيما "الفيلق" و"النصرة".
من جانبها، لم تكن "النصرة"، ومن بعدها "جبهة فتح الشام" ثم "هيئة تحرير الشام"، بمنأى عن هذه الدعوات، إذ طال "جيش الإسلام" أيضًا سيل من الاتهامات والتحريض والفتاوى من شرعيي "الجبهة".
بعد التهجير عام 2018، انتقل "جيش الإسلام" لينضم إلى "الفيلق الثالث" في "الجيش الوطني السوري" الذي كان يعمل في ريف حلب، بينما هيمنت "هيئة تحرير الشام" على إدلب ومناطق في كل من حماة واللاذقية وريف حلب الغربي. وبالرغم من تقسيم مناطق النفوذ فيما كان يعرف حينها بـ"المناطق المحررة"، إلا أن تراشق الاتهامات بقي مستمرًا بين الجانبين.
وفي عام 2019، وخلال الهجمة "الشرسة" التي شنها جيش النظام السابق على مناطق نفوذ "هيئة تحرير الشام"، بدءًا من حماة وحتى إدلب، برر "الجيش" عدم مشاركته بأن من "جندتهم المخابرات العالمية" حالوا دون وصول فصيله إلى فصائل "الجيش الحر" العاملة هناك، في إشارة منه إلى "الهيئة". كما حاولت "الهيئة" الدخول عدة مرات إلى مناطق نفوذ "الجيش الوطني" بعدة ذرائع، أبرزها في عام 2022، بعد أن شنّ هجومًا إعلاميًا ضد "جيش الإسلام".
ولم تخمد نار الاقتتال الفصائلي، حتى معركة "ردع العدوان" التي جمعت معظم الفصائل تحت قيادة "إدارة العمليات العسكرية" التي أدارت دفة المعركة حتى سقوط النظام السوري السابق، وكانت "هيئة تحرير الشام" رأس حربة فيها. وقد وصف "أبو مارية" سلوك شرعي "جيش الإسلام" بـ "التوحش".
ولد سمير كعكة عام 1963 في مدينة دوما التابعة لمحافظة ريف دمشق، لعائلة بسيطة ومتدينة، حيث كان والده موظفًا ذا حالة مادية متوسطة. ترك سمير الدراسة في سن مبكرة، حيث أتم المرحلة الابتدائية فقط ولم يتابع تعليمه، ليلتحق بالعمل مبكرًا لمساعدة أهله، إذ عمل في البناء، وفق ما يذكره في سيرته الذاتية.
مع بداية تدينه، اتجه كعكة إلى المنهج الصوفي، ليبايع شيخ الطريقة الصوفية "الخزنوية" الأسبق ومؤسسها، عز الدين الخزنوي، ثم نقض البيعة بعد أن "تبين انحرافهم" وفق ما يعتقد. ومن الصوفية إلى المنهج السلفي، تتلمذ كعكة على يد علماء أبرزهم عبد القادر أرناؤوط، وعبد الله علوش، والد قائد "جيش الإسلام" السابق، زهران علوش، الذي قتل في غارة يعتقد أنها روسية طالته في 25 من كانون الأول 2015. كما درس على يد كل من الشيخين خالد العك وموفق عيون، إضافة إلى الشيخ السعودي عبد الله الفوزان.
في عام 1996، رافق كعكة مؤسس "جيش الإسلام" علوش، في رحلة إلى الأردن، التقى فيها محمد ناصر الألباني، أحد أبرز علماء الحديث السوريين، والذي ينتمي إلى تيار السلفية، كما واظب على لقاء تلاميذ الألباني في فترات لاحقة.
قبل الثورة السورية، درّس كعكة العديد من طلابه سرًا كتبًا محسوبة على التيار السلفي، الذي كان محظورًا في سوريا آنذاك خوفًا من القبضة الأمنية. وتعتبر دوما من أبرز معاقل المذهب الفقهي الحنبلي، الذي أسسه أحمد بن حنبل، وهو المذهب الذي ينتهجه أتباع التيار السلفي، خلافًا لما هو معهود في عموم سوريا من اتباع المذهبين الشافعي أو الحنفي.
ويعتبر كعكة ميالًا إلى ما يعرف بـ"السلفية العلمية"، وهي أحد فروع السلفية التي تعتبر أقل تشددًا من "السلفية الجهادية"، وتعتبر السعودية معقلًا رئيسيًا لها.
بسبب نشاطه الدعوي، تعرض الشيخ "أبو عبد الرحمن" للاعتقال عام 2009، وزج به في سجن "صيدنايا" سيئ السيط، حيث كان النظام يشن حملات ضد أتباع المنهج السلفي. تنقل "أبو عبد الرحمن" خلال فترة اعتقاله بين عدة أفرع، مثل "الأمن السياسي" في المزة، وفرع "الفيحاء" وفرع "فلسطين" وصولًا إلى "صيدنايا".
وخلال رحلة السجن، التقى كعكة بأبرز قادة "الجهاد" على اختلاف تياراتهم واتجاهاتهم، ودارت بينهم سجالات ومناظرات فكرية، لا سيما التيارات القريبة من تنظيمي "الدولة" و"القاعدة".
حكم على كعكة بالسجن المؤبد، إلا أن الحكم تخفف إلى ثماني سنوات بعد دفع ذويه مبالغ مالية للنظام، لكنه حكم أخيرًا بأربع سنوات عقب انطلاق الثورة السورية وإلغاء محكمة "أمن الدولة". وخرج كعكة في 26 من تشرين الأول 2012، بعد أن أخلي سبيله في سجن "عدرا المركزي" عقب أكثر من سنة على اندلاع الثورة.
انخرط "أبو عبد الرحمن" في العمل الدعوي عقب خروجه من السجن، وكان الذراع الشرعي لـ"جيش الإسلام" والذي أسهم بتشكيله، إلى جانب رفيق دربه زهران علوش. وقد ألف عدة كتب دينية، منها: "التفريق بين راية الحق وراية الباطل"، "إتحاف الخلان في مسائل الكفر والإيمان"، "الحكم بغير ما أنزل الله"، "إتحاف الفضلاء بمسائل الولاء والبراء"، "قواعد الأسماء والصفات".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة