مئات الموظفين في مرفأ اللاذقية يواجهون استقالات قسرية وفصلاً تعسفياً بعد استثمار شركة CMA CGM الفرنسية


هذا الخبر بعنوان "قرارات ترمي بمئات الموظفين خارج مرفأ اللاذقية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يتخيل كريم، المشرف في قسم الأمن والسلامة بمرفأ اللاذقية، أن مسيرته المهنية التي امتدت 15 عامًا ستنتهي بطلب استقالة يراه “إجباريًا” تحت التهديد بالحرمان من التعويض. روى كريم لعنب بلدي، كيف أُجبر هو وزملاؤه على الاستقالة، ومُنعوا من مغادرة المرفأ قبل التوقيع، مع تهديد صريح بحرمانهم من تعويضاتهم في حال عدم الامتثال. وأوضح أن فقدان العمل أثر بشكل مباشر على حياته، ففي عمر الأربعين، أصبح من الصعب عليه إيجاد فرصة عمل جديدة، مما اضطره للانتقال إلى دمشق بحثًا عن بدائل بعد أن أغلقت الأفق في مدينته اللاذقية. ومثل كريم، يواجه المئات من العمال المصير ذاته، خصوصًا المتعاقدين مع الشركة الفرنسية المستثمرة في المرفأ، بموجب عقود سنوية، وذلك عقب سقوط نظام الأسد نهاية عام 2024، وانتقال تبعية مرفأ اللاذقية من وزارة النقل إلى الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية.
في 1 من أيار 2025، وقعت هيئة المنافذ اتفاقية مع شركة “CMA CGM” الفرنسية، لاستثمار وتأهيل مرفأ اللاذقية لمدة 30 سنة، تستثمر خلالها الشركة 230 مليون يورو.
إعادة هيكلة أم إقصاء؟
وفقًا لشهادات العمال، شملت الدفعة الأولى من المفصولين 100 موظف، تلتها دفعات أخرى ليصل إجمالي المفصولين من الشركة الفرنسية وحدها إلى حوالي 400 موظف، من بينهم أصحاب خبرات تجاوزت العقد ونصف في الخدمة. فراس، عامل آخر صُدم بقرار الفصل، تحدث لعنب بلدي عن استمراره وزملاؤه في العمل لفترات وصلت إلى 16 ساعة يوميًا خلال الاضطرابات التي رافقت سقوط النظام، وذلك لحماية المحطة من السرقات. انتهى أمر فراس بقرار فصل دون توضيح الأسباب، مشيرًا إلى أن معاناته تضاعفت بعد فقدان عمله، في ظل صعوبة إيجاد فرصة بديلة، خصوصًا مع وضعه الصحي، فهو يعاني من مرض السكري، ويعتمد اليوم على مساعدات عائلية لتغطية احتياجاته الأساسية هو وأسرته.
تعويضات بسقف سحب منخفض
لم تتوقف معاناة عمال الشركة الفرنسية المستثمرة عند فقدان العمل، بل امتدت إلى آلية صرف التعويضات، حيث جرى حساب راتب شهر واحد عن كل سنة خدمة، على أن تُحوَّل المستحقات إلى حسابات بنكية، مع اعتماد سقف سحب أسبوعي لا يتجاوز 100 إلى 200 ألف ليرة. وبحسب عمال متضررين، فإن هذه الآلية لم تُمكّنهم من الحصول على كامل قيمة التعويض دفعة واحدة، والتي تُقدّر في بعض الحالات بنحو 20 مليون ليرة، وهو ما حرمهم من استخدام هذه المبالغ كرأس مال للانطلاق في أعمال بديلة أو تأمين مصدر دخل جديد بعد الفصل.
الباحث السياسي الدكتور علي عيسى، المتابع لقضية عمال المرفأ، أوضح لعنب بلدي أن وضع هؤلاء العمال يختلف إداريًا وقانونيًا عن عمال القطاع العام، إذ يحق للشركة الجديدة المستثمرة جلب عمال جدد وفسخ العقود السابقة، وهو ما استندت إليه الإدارة في تبرير إجراءاتها حيال عمال الشركة الفرنسية.
عمال القطاع العام.. إعادة ونقل برسالة “واتساب”
في الجانب الآخر، واجه موظفو القطاع العام في المرفأ ضغوطًا من نوع آخر، حيث قال الدكتور علي عيسى لعنب بلدي، إنه بعد منح هؤلاء الموظفين إجازات مأجورة، صدر تعميم من الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية بإعادتهم للعمل في شهر أيلول عام 2025، لكن إدارة المرفأ أصدرت تعميمًا يقضي بتوقيعهم على تعهد خطي بـ”عدم الاعتراض على أي قرار يصدر مستقبلًا”، بما في ذلك النقل خارج المحافظة. تلقى عمال من المرفأ رسائل نصية عبر تطبيق “واتساب” من قبل إدارة المرفأ، تبلغهم بقرار نقلهم من محافظتهم إلى المعابر الحدودية في محافظات أخرى، وهو ما اعتُبر وسيلة دفع للاستقالة الطوعية نظرًا إلى صعوبة الالتزام بالدوام في مناطق بعيدة. شهدت الأزمة انفراجًا جزئيًا، بحسب الدكتور عيسى، بصدور أول قائمة لتوزيع 160 عاملًا من موظفي المرفأ (قطاع عام) على بقية مؤسسات الدولة داخل المحافظة لضمان عدم الاستغناء عنهم، وبحسب قوله، فإن هؤلاء العمال هم الذين لاحقوا قضيتهم قانونيًا عبر إجراءات قضائية أدت إلى تسوية أوضاعهم.
قراءة قانونية.. “استقالة مقنّعة”
مدير “الشبكة السورية لحقوق الإنسان”، فضل عبد الغني، وفي قراءة قانونية أولية للحالات المذكورة، قال إن “الشبكة” لم توثق حادثة العمال، ولكن بناء على الشهادات التي حصلت عليها، فإن ما حصل لا يندرج قانونًا ضمن خانة “الاستقالة الطوعية”، فتخيير العامل بين تقديم استقالته أو الحرمان من التعويض، يشكّل آلية لتحويل الفصل التعسفي إلى “استقالة مقنّعة”. وأكد عبد الغني، في حديث إلى عنب بلدي، أن “الإكراه” في إطار العلاقة العمالية يتحقق حين تصدر وسيلة الضغط عن جهة العمل نفسها، وحين تكون هي السبب الدافع إلى تقديم الاستقالة، ويترسخ هذا التكييف باجتماع عنصرين، أولهما اشتراط التوقيع على الاستقالة قبل صرف أي تعويض (ضغط مالي)، وثانيهما توقيع الاستقالات في مقر العمل، وتحت إشراف الإدارة، وفي جلسات جماعية (ضغط معنوي).
قانون العمل والالتزامات الدولية
تظهر الوثائق والقوانين النافذة وجود تعارض واضح بين إجراءات الإدارة وبين حقوق العمال التي كفلها التشريع السوري: قانون العمل رقم “17” لعام 2010: تنص المادة “2” منه صراحة على “حظر انتهاك مبدأ تكافؤ الفرص أو المعاملة المتساوية” لأي سبب كان، كما يمنح القانون المتضررين الحق في الادعاء بالتعويض عن الأضرار المادية والمعنوية أمام المحاكم المختصة في حالات الفصل غير العادل. قانون العقوبات السوري: يجرم قانون العقوبات أفعال الإكراه والتهديد للحصول على توقيع أو مستند. فالمادة “557” وما بعدها تنص على عقوبات تستهدف كل من يحصل بالتهديد أو الإكراه على توقيع مستند يتضمن تعهدًا أو إبراء، وهو ما يمكن إسقاطه على حالات إجبار العمال على التوقيع تحت الضغط المادي والمعنوي لانتزاع مستندات تخلي مسؤولية الإدارة. الالتزامات الدولية: تعتبر سوريا طرفًا في اتفاقيات دولية تلزمها بمراعاة الأجر العادل، وعدم التمييز، والحماية من الفصل التعسفي، وضمان الحق في إجراءات قانونية عادلة.
“المنافذ”: الإجراءات قانونية
في مقابل شهادات العمال والتحليلات القانونية، تواصلت عنب بلدي مع المكتب الإعلامي للهيئة العامة للمنافذ البرية والبحرية، للوقوف على أسباب هذه الإجراءات، ونفى بدوره ممارسة أي ضغوط على العاملين لتقديم استقالاتهم. وأكد المكتب الإعلامي للهيئة في رده أن “جميع الإجراءات التي تم اتخاذها قانونية”، مشددًا على أن الهيئة “لم تجبر أي شخص على تقديم الاستقالة”، دون الخوض في تفاصيل إضافية حول أسباب إنهاء خدمات مئات العمال.
ملاحظة: قامت عنب بلدي بتغيير أسماء الشهود من الموظفين لضرورات الحفاظ على سلامتهم.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد