منال ابتسام وقصة "حصائد الألسنة": حرية التعبير في أوروبا ومخاطرها على السوريين


هذا الخبر بعنوان "“وهل يكب الناس على أنوفهم؟”.. حتى في أوروبا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتذكر الكثيرون قصة منال ابتسام، الشابة الفرنسية ذات الأصول السورية، التي خطفت الأضواء على مسرح برنامج "The Voice" بنسخته الفرنسية "la plus belle voix" عام 2018. أبهرت منال لجنة التحكيم بصوتها العذب وهي تؤدي أغنية "Hallelujah"، لكنها سرعان ما واجهت تبعات غير متوقعة. فقد تم نبش منشورات سابقة لها على حساباتها في "فيسبوك" و"تويتر" (المعروف حاليًا بـ "X")، والتي فُسّرت على أنها تشكيك في هجمات باريس ونيس الإرهابية. وعلى الرغم من إدانتها الكاملة للإرهاب وتوضيحها أن منشوراتها أُسيء فهمها ولم تكن تتضمن دعوة صريحة للعنف أو تحريضًا مباشرًا على الكراهية، إلا أن الضغط الجماهيري والإعلامي كان حاسمًا. اضطرت منال للانسحاب من البرنامج، وتشير المعطيات إلى أن قناة "TF1" التي تبث البرنامج، طلبت منها ذلك تحت وطأة الضغوط الأخلاقية والمجتمعية، مما أظهر أن المحاسبة الجماهيرية قد تكون لها ذات الأثر الذي تحققه الإجراءات القانونية، حتى لو كانت البراءة قائمة.
تُسلّط هذه الحادثة الضوء على ظاهرة الانخراط المفرط للسوريين، سواء داخل البلاد أو خارجها، في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتجاهلهم أن ما يكتبونه قد يُشكّل وثيقة تؤثر على مسار حياتهم الاجتماعية والمهنية، وربما القانونية. إن قصة منال تتجاوز كونها مجرد مشاركة فتاة موهوبة في برنامج تلفزيوني، لتصبح مثالًا حيًا على أن النجاح والشهرة، مهما بلغا، يمكن أن ينهارا بسرعة بفعل "حصائد الألسنة"، مستذكرة المبدأ القائل: "وهل يكب الناس على أنوفهم إلا حصائد ألسنتهم".
في السياق الأوروبي، لا يقتصر تنظيم الخطاب العام على الأطر القانونية فحسب، بل يتأثر أيضًا بمنظومة ضغط اجتماعي وإعلامي قوية، قادرة على إقصاء الأفراد دون الحاجة إلى حكم قضائي. هذا الواقع قد يمتد تأثيره مستقبلًا إلى سوريا ودول عربية أخرى، مع تزايد وعي الشارع والإعلام بأهمية عدم ترك المجال لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير بحرية مطلقة دون ضوابط.
تُشير التقديرات غير النهائية إلى وجود نحو مليوني سوري في أوروبا، يظهرون تفاعلًا ملحوظًا في الشأن العام السوري عبر مواقع التواصل الاجتماعي، يفوق غالبًا تفاعلهم في الشأن الأوروبي. هذا التفاعل يجعلهم جزءًا فاعلًا ومؤثرًا في الأحداث الجارية في بلدهم الأم، سواء كان ذلك التأثير إيجابًا أو سلبًا.
في سياق متصل، دار نقاش بين زملاء المهنة حول خطاب السوريين المقيمين خارج الحدود، وتحديدًا ما صرح به وزير الإعلام د. حمزة المصطفى خلال حفل إشهار مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا، منتصف شباط 2026. أشار الوزير إلى أن جزءًا كبيرًا من "خطاب الكراهية" في سوريا ينبع من سوريين يعيشون في "سياقات ديمقراطية". ورغم أن هذا التصريح قد يُفسر كمحاولة لتقييد حرية الرأي أو تجاهل للفوارق في مساحات الحرية بين أوروبا وسوريا، إلا أنه يحمل في جوهره إشارة صحيحة إلى وجود خطاب كراهية قادم من الخارج، ينشأ أحيانًا عن عدم التمييز بين حرية التعبير المطلقة وتأثير استخدام مصطلحات معينة في ظروف النزاع.
على الرغم من أن القوانين الأوروبية قد لا تُجرّم الوصم أو التهكم دائمًا، إلا أن تأثير المنشورات التي يكتبها المقيمون على أراضيها قد يُفهم بشكل مختلف ضمن مجتمعاتهم الأصلية. هذا يؤكد على أهمية تطبيق "خطة عمل الرباط" وعناصرها الستة: السياق، موقع المتحدث، القصد، المحتوى، مدى الانتشار، واحتمال وقوع الضرر. في المقابل، تتيح الدول الأوروبية، وفرنسا تحديدًا، مساحة واسعة لنقد الشخصيات العامة والرموز، وهو ما تجلى في رسوم "شارلي إيبدو" التي تضمنت إساءات دينية وأدت إلى الهجوم المأساوي على مقر الصحيفة الساخرة، مما يبرز التعقيد في تفسير "خطاب الكراهية" بين الدول المختلفة.
يُعدّ الأثر الأخلاقي وضغط الرأي العام المحرك الأساسي للعديد من وسائل الإعلام، التي تسعى للحفاظ على سمعتها وجماهيريتها. ففي الدول الغربية، كفرنسا، لا تُعتبر المناصرة أو التعبير عن الرأي نشاطًا يستوجب التقييد بالضرورة، وليس كل خطاب صادم يُجرّم، كما أن ليس كل خطاب غير قانوني يُلاحق قضائيًا بشكل فعلي. ومع ذلك، تظل منظمات المجتمع المدني تراقب وترصد أي تجاوزات. حرية التعبير هي حق طبيعي ومكفول في الدساتير والشرائع والمواثيق الدولية، وسوريا جزء من هذه المنظومة وتستحق مساحة الحرية الملائمة. وفي حال حدوث التباس أو تجاوز لا يعالجه القانون، فإن هناك آليات أخرى للحسم خارج نطاق المحاكم، كما حدث في قضية منال.
على الرغم من كل ما سبق، يلاحظ أن بعض السوريين في أوروبا يمجدون بشار الأسد وحقبته، أو يؤيدون تنظيم "الدولة" (داعش)، متناسين الملاحقات القانونية التي طالت أشخاصًا بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تمجد "داعش" أو "النازية" أو جرائم يوغوسلافيا. إن "تمجيد الأسدية" قد يتحول إلى جريمة، حتى خارج سوريا، إذا صدرت أحكام قضائية إضافية تُصنف بشار الأسد ومجموعته كـ"مجرمي حرب"، مما قد يؤدي إلى نبش كل ما كُتب سابقًا. وفي الختام، تبقى العبرة في أن "رب كلمة قالت لصاحبها دعني".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة