المقامرة الإلكترونية في سوريا: إدمان مدمّر يستنزف الأفراد ويهدد الاستقرار الاجتماعي


هذا الخبر بعنوان "المقامرة الإلكترونية في سوريا.. إدمان يهدد استقرار المقامرين" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن مجرد “ضغطة حظ” عابرة، بل كانت بداية لسلسلة من الخسائر المتتالية التي أفضت إلى ديون ثقيلة وانهيار حياة كاملة. في مدينة اللاذقية، انتهت حياة علاء (38 عامًا)، وهو أب لطفلتين، بشكل مأساوي بعد تورطه في لعبة “آيشانسي” الإلكترونية، وفقًا لمصادر مقربة منه. كان علاء يعيش حياة مستقرة نسبيًا قبل انخراطه في هذه اللعبة التي تحولت تدريجيًا إلى خسائر مالية فادحة، قُدرت بنحو 200 مليون ليرة سورية، وضغوط نفسية متزايدة أدت إلى نهايته المأساوية.
تُظهر شهادات متقاطعة آلاف الحالات المشابهة لشبان وشابات في سوريا، وجدوا أنفسهم محاصرين في شبكة المقامرة الإلكترونية، حيث تتضخم الخسائر بسرعة فائقة، وتخلّف آثارًا نفسية ومالية قاسية تمتد لتطال عائلاتهم بأكملها، مما يؤكد الحاجة الملحة للتعامل مع هذه الظاهرة المتنامية.
تحدث “محمود” (اسم مستعار) لـ”عنب بلدي” عن تجربته الأولية مع تطبيقات المقامرة الإلكترونية، موضحًا أن الأمر بدأ بدافع التجربة وبمبالغ بسيطة. يقول: “كانت أول تجربة لي مع (آيشانسي) بمبلغ لا يتجاوز ثلاثة آلاف ليرة، وربحت خلالها نحو 15 مليون ليرة، ما دفعني للاستمرار. لاحقًا، واصلت اللعب حتى أنفقت كل ما أملك، في محاولة يائسة لتعويض خسائري وتحقيق ربح جديد”.
وأضاف “محمود” أن التجربة خرجت عن السيطرة تدريجيًا، حتى وصل به الأمر إلى بيع ذهب زوجته لتغطية الرهانات وسد الخسائر المتراكمة، في محاولة أخيرة لتعويض ما فقده. كانت هذه الخطوة نقطة تحول حاسمة، حيث “استفاق على حجم الخسارة” بعد ذلك، مما دفعه إلى التوقف الكامل عن اللعب والانفصال عن هذه التطبيقات بشكل نهائي.
تشير الشهادات التي جمعتها “عنب بلدي” إلى أن ظاهرة المقامرة الإلكترونية لا تقتصر على تطبيق واحد، بل تشمل مجموعة واسعة من المنصات المتداولة بين المستخدمين. من بين هذه التطبيقات “WayxBet” و”1xBet” و”Texas4win”، بالإضافة إلى منصات أخرى أقل شهرة تنتشر عبر روابط دعائية أو وسطاء محليين. تعمل هذه التطبيقات بأساليب متشابهة تعتمد على جذب المستخدمين من خلال أرباح أولية أو عروض ترويجية مغرية، قبل إدخالهم في دوامة من الرهانات المتكررة والخسائر المتصاعدة. كما تستخدم هذه المنصات ما يُعرف بـ”الجائزة الكبرى (Jackpot)” التي تُعرض بأرقام مرتفعة قد تصل إلى عشرات الملايين والمليارات، مما يعزز لدى المستخدم شعورًا مستمرًا بأن الربح الكبير “قريب المنال”.
تكشف الشهادات عن بنية شبه هرمية معقدة لإدارة هذه التطبيقات، تبدأ بـ”الكاشير”، مرورًا بـ”الماستر”، وصولًا إلى “السيبر ماستر”. تتوزع الأرباح ضمن هذه الشبكة وفق نسب تصاعدية كالتالي:
وتشير الشهادات إلى أن ما يُعرف بـ”الحرق” يقوم على بيع رصيد اللعب بسعر منخفض (مثل مليون ليرة مقابل 400 ألف)، ثم إعادة تدويره داخل النظام لتحقيق أرباح من خسائر المستخدمين.
يقدّر لاعب سابق حجم التداول المالي ضمن هذه الشبكات بأرقام ضخمة، مشيرًا إلى أن بعض الشبكات قد تدير عمليات مالية شهرية تبدأ من نحو 700 مليون ليرة سورية وقد تتجاوز ذلك بكثير. في ضوء هذه الأرقام، تبدو خسارة مئات الملايين، كما في حالة الشاب الذي توفي مؤخرًا في اللاذقية، جزءًا من دورة مالية أوسع، تستوعب مبالغ أكبر بكثير على مستوى شبكات غير منظمة تعمل خارج أي رقابة رسمية.
تتعدد وسائل الدفع المستخدمة في هذه العمليات، وتشمل:
تتم هذه العمليات بالكامل خارج النظام المصرفي الرسمي، مما يجعل تتبعها أو ضبطها أمرًا بالغ الصعوبة للسلطات.
أوضحت الاختصاصية الاجتماعية بشرى مروة، في حديث لـ”عنب بلدي”، أن انتشار تطبيقات المقامرة الإلكترونية يرتبط بمجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي تجعل فئات واسعة من المجتمع أكثر عرضة للانجذاب إليها. تتمثل هذه العوامل في:
في سوريا، تتجاوز نسبة البطالة 60%، وذلك بحسب تصريح وزير الاقتصاد والصناعة في الحكومة السورية، نضال الشعار، في آب 2025. كما أشار تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، صدر في 20 من شباط 2025، إلى أن معدل الفقر في سوريا ارتفع من 33% قبل الحرب إلى 90%، بينما بلغت نسبة الفقر المدقع 66%. وأكد التقرير أن تسعة من كل عشرة أشخاص في سوريا يعيشون في فقر، وأن واحدًا من كل أربعة عاطل عن العمل، لافتًا إلى أن 75% من السكان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية تشمل الرعاية الصحية والتعليم والوظائف والأمن الغذائي والمياه والطاقة والمأوى.
أما على مستوى الآثار، فأشارت الاختصاصية الاجتماعية إلى أن المقامرة الإلكترونية لا تقتصر على الخسائر المالية فحسب، بل تمتد لتشمل:
وحذرت مروة من أن “غياب الرقابة والدعم النفسي المبكر” يجعل بعض الحالات تنتقل من التجربة العابرة إلى الإدمان العميق، دون إدراك خطورة المسار الذي تسلكه.
في حديث سابق لـ”عنب بلدي”، أوضح المحامي رامي هاني الخيّر أن المراهنات الإلكترونية تُعد شكلًا من أشكال القمار المحظور قانونيًا في سوريا. وأشار إلى أن الملاحقات القضائية غالبًا ما تستهدف الوسطاء المحليين، بينما تبقى الشبكات المشغّلة لهذه التطبيقات خارج نطاق الوصول الفعلي للسلطات.
يعاقب قانون العقوبات السوري العام على جرم المقامرة ضمن المواد 618 و619 و620، حيث يفرق بين افتتاح دار للمقامرة وبين اللعب بالقمار من قبل الأشخاص. ورغم أن القانون اعتبر العملين غير مشروعين، إلا أنه شدد عقوبة من يفتتح دارًا للمقامرة. وتنص المادة 619 على أن ألعاب القمار هي كل لعبة يكون فيها الحظ هو العامل الغالب على المهارة أو الفطنة. وتُعتبر من ألعاب القمار المحظورة ألعاب مثل “الروليت والبكارا والفرعون والبتي شفو والبوكر المكشوف”، بالإضافة إلى أي ألعاب مشابهة لها أو متفرعة عنها.
كما تنص المادة على معاقبة كل من يدير أو يهيّئ مكانًا للمقامرة، سواء في مكان عام أو مفتوح للجمهور أو في منزل خُصص لهذا الغرض، إضافة إلى الصرافين والعاملين والمساعدين في هذه الأماكن، وذلك بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنتين، وبغرامة مالية. ويمكن للمحكمة أن تقرر منع المحكوم عليهم من الإقامة في المكان، وفي حال كانوا من غير المواطنين يمكن أن يُحكم عليهم بالطرد من البلاد. وتشمل العقوبات أيضًا مصادرة الأدوات والأثاث المستخدم في ممارسة القمار أو المجهز له، إضافة إلى إمكانية إغلاق المكان الذي تُمارس فيه هذه الألعاب. وبحسب المادة 620، يعاقب كل شخص اشترك باللعب في الأماكن المذكورة أعلاه أو فوجئ فيها خلال اللعب بغرامة تتراوح من 100 ألف إلى 200 ألف ليرة. وتشدد العقوبة وفقًا للمادة 33 من قانون الجريمة الإلكترونية السوري رقم 20 لعام 2022، إذا وقعت الجريمة على شبكة الإنترنت.
سياسة
اقتصاد
سوريا محلي
سياسة