ترامب يهزّ الثوابت العالمية: استراتيجية أمريكية جديدة لمواجهة النفوذ الصيني وتقليص الأعباء


هذا الخبر بعنوان "تأملات هادئة “لبركان”هزّ العالم" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كتب محمد خير الوادي:
تهدف هذه المقالة إلى فك بعض طلاسم السياسة التي ينفذها الرئيس ترامب منذ قدومه الثاني إلى البيت الأبيض قبل أكثر من عام، والتي أحدثت صدعًا في العديد من الثوابت الراسخة في الوعي العام العالمي على مدار الثمانين عامًا الماضية. من أبرز هذه الثوابت: "قدسية" القانون الدولي، وحرمة السيادة الوطنية، و"حصانة" الركائز المتعارف عليها في السياسة الدولية، وفي طليعتها العولمة والاتفاقات الدولية، لا سيما اتفاقات التجارة الحرة، ومنع استخدام القوة في العلاقات الدولية، وغيرها الكثير مما كان يُعرف بـالشرعية الدولية.
لقد بدت سياسة ترامب أشبه بالجرّافة التي دمرت كل ما يعترضها من أركان هذه الشرعية. وقد تباينت الآراء حول وصف "الترامبية"؛ فوصفتها جهات عدة بالتهور، وأخرى بالمزاجية، وثالثة أطلقت عليها نعت الفوضى غير الخلاقة. ونادرًا ما كنا نسمع رأيًا موضوعيًا حول تلك السياسة، بعيدًا عن الانفعالات والنقد المشروع الذي تواجهه واشنطن بسبب سجلها المظلم خلال عقود طويلة.
أود أن أشير في هذا الصدد إلى أن التسرع في إطلاق أحكام نهائية على سياسة ترامب، وتحكيم المشاعر والرغبات عند تقويم سلوك الرئيس الأمريكي، أفضى إلى صدور تحليلات واستنتاجات لا تعبر عن البواعث الحقيقية لنهجه. ومع ذلك، ورغم اختلاف المشارب والأهواء السياسية لمنتقدي "الترامبية"، فإنهم توصلوا جميعًا تقريبًا إلى نتيجة واحدة قد تكون مثيرة للجدل، وهي أن خطوات الرئيس ترامب "غير العقلانية" وسياسته "المتهورة" ستفضي حتمًا إلى غروب شمس الإمبراطورية الأمريكية. ويعلل أنصار هذه النتيجة موقفهم بالقول إن الخطأ الأساسي الذي ارتكبه ترامب يتجلى في مساواته بين أصدقاء أمريكا وأعدائها في مسألة المحاسبة، وهو أمر نفر حلفاء أمريكا وأثلج صدر خصومها.
لن أجادل هنا في صحة أو خطأ تلك الاستنتاجات، ولكن مع وجاهة هذه النتيجة، لا يمكن إغفال حقيقة أخرى تعبر عن نفسها بقوة، وهي أنه رغم الفوضى وعدم اليقين والضبابية التي تعم إدارة ترامب حاليًا، فإن السلوك العام لتلك الإدارة يخضع لتوجهين أساسيين سأتوقف عندهما بشيء من التفصيل:
يتجلى التوجه الأول، الذي لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة، في تركيز واشنطن الترامبية على العمل المنظم لقصقصة أذرع التنين الصيني المنتشرة في العالم كله. لقد استغلت الصين بذكاء بعض الصيغ التي بنتها أمريكا بعد الحرب الباردة، وفي طليعتها انفتاح الغرب على بكين، والعولمة، وحرية التجارة العالمية، من أجل تعزيز قوتها الذاتية. وقد وضعت بكين نهجًا استرشاديًا ناجحًا لسياستها الخارجية يقوم على مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للآخرين، والتقدم الفوري والهادئ في المناطق التي تنسحب منها أمريكا، والتعامل مع كل الأنظمة بغض النظر عن طبيعتها ومواقفها من الديمقراطية وحقوق الإنسان، واستخدام الاقتصاد كوسيلة أساسية للتمدد في العالم. مع ملاحظة هامة: أي دولار تنفقه بكين في الخارج ينبغي أن يجلب لها ربحًا اقتصاديًا أو سياسيًا، فالصين لا تقدم على استثمارات خاسرة. وقد حقق هذا التوجه الصيني نجاحًا باهرًا خلال العقد الأخير.
انتبه ترامب إلى خطورة تزايد النفوذ الصيني في العالم، وإلى الآليات التي تستخدمها بكين لتحقيق غاياتها. ولذلك أحيا ترامب مبدأ مونرو الذي يحظر على أية دولة أجنبية التدخل أو التواجد في أمريكا اللاتينية، واستخدم التهديد بالقوة لإزالة القلاع التي شيدتها الصين في دول أمريكا اللاتينية. فبدأ من قناة بنما، حيث أرغم السلطات هناك على إلغاء اتفاقية منح الصين حق إدارة القناة. وواصل ترامب جهده هذا في اقتحام أكبر حصن صيني في تلك المنطقة، وهي فنزويلا. ويتوعد ترامب – حسب منطوقه – قلعة صينية ثالثة هي كوبا، بالويل والثبور وعظائم الأمور، إن لم تتراجع عن تحالفها مع الصين.
أكاد أجزم أن أحد العوامل التي شجعت ترامب على الحرب ضد إيران هو السعي إلى ضرب النفوذ الصيني فيها، وحرمان الصين من النفط الإيراني الرخيص – كما فعل في فنزويلا. وهناك سبب آخر للحشود العسكرية الأمريكية في المنطقة لا يتم الحديث عنه كثيرًا؛ فقد وفرت العمليات العسكرية التي تقوم بها أمريكا في الخليج الفرصة لواشنطن لإعادة ضبط العلاقات المتنامية جدًا بين دول الخليج العربي والصين. فخلال العقدين الماضيين، نما التقارب بين دول الخليج والصين إلى حد أنه وصل إلى مرحلة التعاون الاستراتيجي بين الجانبين في المجالات كلها. بالتأكيد، هذا الأمر لم يبعث الارتياح لدى واشنطن. ولذلك استثمرت أمريكا حشودها العسكرية الهائلة في تلك المنطقة من أجل إعادة السيطرة على نفط الخليج، وهذه العملية تتم الآن جزئيًا من خلال الحصار الذي تضربه السفن الأمريكية على مضيق هرمز. وتطمح واشنطن من خلال سلوكها هذا إلى أكثر من ذلك، تطمح إلى تقليص التعاون بين دول الخليج العربي والصين، وإعادة توجيه علاقات تلك الدول نحو أمريكا.
وما دمنا نتحدث عن الجهود الأمريكية للتصدي للصين، فإنني مقتنع بأن أحد أسباب خروج إدارة ترامب من اتفاقيات التجارة الحرة، وتنكر واشنطن للعولمة، واللجوء إلى مبدأ العقوبات، هو تفويت الفرصة على الصين لاستغلال تلك الهياكل الدولية الاقتصادية مجددًا من أجل تغذية عروق الاقتصاد الصيني والنيل من أمريكا. وفي الوقت نفسه، لم يعد ترامب يولي اهتمامًا لقوة أمريكا الناعمة، ولذلك تخلى عن ربط علاقات أمريكا مع الآخرين بمراعاة حقوق الإنسان، وهو الشرط الذي تحكم بعلاقات أمريكا مع الدول الأخرى لعقود كثيرة. ومقابل ذلك، بدأ الرئيس ترامب التركيز على القوة الخشنة كوسيلة لممارسة السياسة الخارجية الأمريكية. والقوة الخشنة تعني اللجوء إلى القوة العسكرية والتهديد بها كوسيلة لممارسة السياسة الخارجية. وأضاف الرئيس ترامب أداة أخرى تملكها أمريكا بسبب ضخامة اقتصادها، وهي اعتماد العقوبات الاقتصادية والمالية بهدف انتزاع مواقف ملائمة لأمريكا من الدول الأخرى. وفي هذا المجال، حقق ترامب نجاحات كبيرة في أمريكا اللاتينية، وهو يسعى إلى الأمر نفسه في الشرق الأوسط.
التوجه الثاني، الذي يمكن أن نلمسه بوضوح في ظل فوضى ترامب، هو سعي الإدارة الأمريكية الحالية لتخفيف الأعباء التي كانت أمريكا تتحملها لقاء توفير مظلة أمنية لحماية حلفائها. وكان أول قرار لافت في هذا المجال إلغاء المساعدات التي كانت واشنطن تقدمها لأوكرانيا، وإجبار أوروبا على شراء أسلحة من أمريكا لصالح كييف. كما أرغم ترامب اليابان على الاستثمار بمئات المليارات في الاقتصاد الأمريكي. والموقف نفسه اتخذه الرئيس ترامب مع كوريا الجنوبية. كما دفع الرئيس الأمريكي تايوان إلى البدء ببناء معمل هائل لإنتاج الرقائق الإلكترونية في أمريكا، سيكون الأكبر في العالم. ولا تغيب عن الذهن التريليونات التي حصل عليها ترامب من دول الخليج العربي لقاء توفير الحماية لها. وبالنسبة لأوروبا، فقد هدد بالخروج من حلف الناتو إذا لم ترفع الدول الأوروبية نسبة مساهماتها في نفقات الحلف، وقد بدأت أوروبا برفع مخصصاتها العسكرية.
أختتم مقالتي بالقول إنه يمكن الكتابة بلا نهاية عن مثالب ترامب وسلطويته وتفضيله الولاء والقرابة على الكفاءة والخبرة، وعن دعمه اللامحدود لعدوانية صديقه ومثيله نتنياهو. لكن في الوقت نفسه، فإن الواقع يقول إن ترامب قد غير أمريكا، وغير كذلك العالم القديم بقوانينه وتقاليده وأعرافه السياسية. ولا أحد يستطيع التنبؤ بنتائج هذه التغييرات. ومع ذلك، فإن خيطًا واضحًا يربط نتف مواقف ترامب المتناقضة والغامضة والفوضوية في صورة واضحة تقول للجميع إن قاطن البيت الأبيض لن يسمح لأية قوة منافسة، سواء كانت الصين أو غيرها، بانتزاع عرش العالم من أمريكا أو تحديها. وفي سبيل ذلك، فإن ترامب جاهز لاستخدام الوسائل التي يملكها كلها من أجل الحفاظ على دور أمريكا الريادي في العالم. الرئيس ترامب يريد ذلك ويسعى إليه، ولكن قد يكون للتاريخ رأي آخر. وأول اختبار جدي لتوجهات ترامب هذه ستكون الانتخابات النصفية الأمريكية بعد عدة أشهر.
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة