مركدة: رحلة بلدة سورية من "ماكسين" العباسية العريقة إلى "مرقد" الأرمن على ضفاف الخابور


هذا الخبر بعنوان "“مركدة”.. من “ماكسين” التاريخية إلى “مرقد” على ضفاف الخابور" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٦ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
على الضفة اليمنى لنهر الخابور، حيث تتشابك الجغرافيا مع عمق التاريخ، تقف بلدة مركدة كشاهد صامت على التحولات الكبرى التي عصفت بمنطقة الجزيرة السورية. هذه البلدة، التي يلفها الهدوء اليوم، ليست مجرد محطة عابرة على الطريق الدولي الذي يربط الحسكة بدير الزور، بل هي سجل مفتوح يروي قصة مدينة غابرة، واسم وُلد من رحم المعاناة.
قبل أن يُعرف هذا الموقع باسمه الحالي، كانت الحياة تدب فيه تحت مسمى "ماكسين" (أو مكسين). تعود جذور هذا الاسم إلى عصور غابرة، حيث كانت "ماكسين" مدينة ذات أهمية بالغة في العصر العباسي وما تلاه. يذكرها الجغرافيون العرب القدامى، ومنهم ياقوت الحموي في معجم "البلدان"، كبلدة عامرة تقع على نهر الخابور، وتشتهر ببساتينها وخضرتها. كما كانت تُعد محطة رئيسة للقوافل والجيوش التي تسافر بين الموصل والرحبة (التي تُعرف حاليًا بالميادين).
تؤكد التنقيبات الأثرية في "تل ماكسين"، القريب من البلدة الحالية، أن المنطقة كانت مركزًا حضاريًا متقدمًا، حيث كانت تضم أسواقًا وجسورًا تربط بين ضفتي النهر. ومع تعاقب القرون والحروب والموجات المغولية، تراجعت أهمية "ماكسين" تدريجيًا حتى اندثرت معالمها العمرانية، تاركة خلفها تلًا أثريًا يحتفظ بأسرار تلك الحقبة الذهبية.
انتقلت التسمية من "ماكسين" إلى "مركدة" في تحول يختصر قسوة التاريخ، وتبرز هنا روايتان أساسيتان تفسران هذا التغيير:
تُعد هذه الرواية الأكثر شيوعًا وتوثيقًا في الذاكرة الحديثة. ففي عام 1915، تحول جبل مركدة الصخري إلى مسرح لواحدة من كبرى المآسي الإنسانية خلال الحرب العالمية الأولى. سُميت البلدة بـ"مركدة" لأنها غدت "مرقدًا" لآلاف الضحايا من الأرمن الذين قضوا في تلك الفيافي القاسية. الجبل الذي كان يطل على "ماكسين" القديمة، صار يُعرف بجبل "المراقد"، ومنه اشتق اسم البلدة الحالية "مركدة"، تخليدًا لذكرى الراقدين في ثراها.
تشير بعض المصادر المحلية إلى أن قبائل عربية هاجرت من الجزيرة العربية، واستوطنت أطلال "ماكسين"، فأطلقت عليها اسم "مركدة" تيمنًا بمناطقهم الأصلية في الحجاز، وهو ما يفسر التشابه في الأسماء بين البلدة السورية ومواقع في المملكة العربية السعودية.
تقع بلدة مركدة على بعد 105 كيلومترات جنوب مدينة الحسكة، وتتميز بطبيعة تضاريسية فريدة؛ فمن جهة ينساب نهر الخابور، ومن جهة أخرى يبرز جبلها البركاني ذو الصخور السوداء، الذي يمنح المسيطر عليه ميزة استراتيجية لكشف مساحات شاسعة تصل إلى حدود البادية.
اقتصاديًا، يعتمد السكان اليوم بشكل أساسي على الزراعة المروية من النهر، على الرغم من تراجع منسوبه في السنوات الأخيرة، بالإضافة إلى تربية المواشي. وتعتبر البلدة سوقًا حيويًا للقرى والبادية المحيطة بها، وممرًا لا غنى عنه للتجارة البرية بين منطقتي الجزيرة والفرات.
تمثل مركدة اليوم لوحة معقدة، فبينما يزور الأرمن كنيستهم ومزارهم على الجبل لاستذكار مآسي الأجداد، تعيش القبائل العربية في سهولها، متمسكة بأرض شهدت يومًا ازدهار "ماكسين". إنها بلدة تعيش على رفات الماضي وتتطلع إلى مستقبل يعيد للخابور هيبته، ولضفافه حيويتها.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي