طرطوس تواجه شللاً في سوق العمل: خيارات الشباب تتلاشى والهجرة تتصاعد


هذا الخبر بعنوان "طرطوس: سوق عمل مشلول وخيارات تتلاشى أمام الشباب" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة طرطوس حالة من الجمود العميق والشلل شبه الكامل في سوق العمل، حيث تتضاءل الفرص المتاحة بشكل حاد دون أي أفق لتحسن وشيك. يصف عاملون وخريجون هذا الوضع بأنه "الأكثر صعوبة منذ سنوات"، في ظل قطاع عام بلغ مرحلة التشبع وتوقف فعلياً عن استيعاب موظفين جدد. في المقابل، يعاني القطاع الخاص من ضغوط اقتصادية خانقة تحد من قدرته على التوسع أو إيجاد وظائف جديدة.
يقتصر التوظيف في غالب الأحيان على أعمال خدمية بسيطة، لا تتناسب غالباً مع تخصصات الخريجين الجامعيين، مما أدى إلى اتساع الفجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل. هذه الفجوة، وفقاً لمراقبين، تحولت إلى أزمة بنيوية تعكس خللاً عميقاً في هيكل الاقتصاد المحلي.
تتسع الفجوة بين التعليم وسوق العمل بشكل مقلق، حيث يتدفق سنوياً آلاف الخريجين من جامعات طرطوس والمناطق المحيطة بها، ليواجهوا سوق عمل غير قادر على استيعابهم. يجد الكثيرون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مر: إما القبول بوظائف ذات أجور متدنية لا تكاد تغطي تكاليف التنقل، أو الاستمرار في دائرة البطالة المقنعة، بانتظار فرصة قد لا تتحقق أبداً.
تعود أسباب هذا الواقع المرير إلى عدة عوامل، أبرزها غياب المنشآت الصناعية الكبرى القادرة على استيعاب أعداد كبيرة من الأيدي العاملة. يضاف إلى ذلك تراجع القطاع الزراعي، الذي كان يمثل دعامة أساسية للتوظيف في المناطق الريفية. كما ساهم التضخم المتزايد وضعف الاستثمار في تقليص قدرة القطاع الخاص على التوسع، مما أدى إلى انكماش إضافي في فرص العمل المتاحة.
تعكس مستويات الأجور المتدنية في طرطوس عمق الأزمة الاقتصادية التي يواجهها العاملون، حيث لا تواكب هذه الأجور معدلات التضخم المتصاعدة. تتراوح الأجور اليومية في الأعمال الحرة بين 100 ألف و150 ألف ليرة سورية، بينما يبلغ متوسط الرواتب الشهرية في القطاع الخاص ما بين مليون ومليوني ليرة. ورغم أن هذه الأرقام قد تبدو كبيرة، إلا أنها تفقد قيمتها الشرائية الحقيقية أمام الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة، مما يجعلها غير كافية لتغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
يؤكد عاملون أن العديد من الوظائف أصبحت غير مجدية اقتصادياً، خاصة مع الارتفاع الكبير في تكاليف النقل والاحتياجات الأساسية الأخرى.
لا يقتصر تأثير البطالة على الجانب المادي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة تستنزف طاقات الشباب. يعيش الخريجون الذين لم يجدوا فرص عمل حالة من الإحباط المتزايد، تدفع بعضهم إلى العزلة والانسحاب من الحياة الاجتماعية. يضطر الكثيرون للاعتماد على دعم عائلاتهم، أو اللجوء إلى أعمال هامشية لا تتناسب مع مؤهلاتهم العلمية، في محاولة لتأمين الحد الأدنى من المصروف الشخصي.
يحذر سكان المنطقة من أن هذا الواقع يهدد بتآكل رأس المال البشري وفقدان الكفاءات مع مرور الوقت، مما ينعكس سلباً على مستقبل المحافظة.
يؤكد عبد المالك أبو مازن، وهو موظف متقاعد، في حديث لمنصة سوريا 24، أن "الوضع في طرطوس أصبح فوق الاحتمال؛ فالقطاع العام مشبع تماماً، والقطاع الخاص بالكاد يغطي مصاريفه". ويضيف أن رواتب الشباب العاملين في المهن الخدمية البسيطة "لا تكفي حتى لتغطية تكاليف المواصلات"، مشيراً إلى "فجوة مرعبة بين سنوات الدراسة وسوق عمل عاجز".
ويتابع أبو مازن أن ابنه، رغم تحصيله العلمي، لم يجد أمامه سوى خيار السفر، معلقاً: "الاعتماد على الأهل في هذا العمر مؤلم، والسفر صار ضرورة وليس رفاهية". ويشدد على أن الحلول تكمن في "إقامة منشآت إنتاجية حقيقية ودعم الزراعة التي كانت تشكل سنداً أساسياً للريف".
من جانبها، تصف لينا سعيد، وهي خريجة جامعية، رحلة البحث عن عمل بأنها "حالة ضياع"، موضحة في حديث لمنصة سوريا 24، أن الرواتب المتاحة "لا تواكب التضخم ولا تحقق الاستقرار". وتشير إلى أن العديد من الخريجين يضطرون للجوء إلى أعمال هامشية لا تتناسب مع تخصصاتهم، مما يولد "حالة من اليأس والعزلة".
وتضيف سعيد أن الحلول المقترحة يجب أن تكون عملية، عبر "تقديم تسهيلات حقيقية للمستثمرين، وتأمين قروض ميسرة تساعد الشباب على إطلاق مشاريعهم الخاصة"، مؤكدة أن "السفر لم يعد حلماً، بل أصبح مهرباً أخيراً من واقع الجمود".
في ظل هذا الواقع الصعب، تشهد طرطوس موجة هجرة متصاعدة وغير مسبوقة، حيث لم يعد الشباب يكتفون بالبحث عن فرص عمل في محافظات أخرى، بل أصبحت وجهتهم الأساسية خارج البلاد، سواء عبر طرق نظامية أو محفوفة بالمخاطر. يرى بعض الأهالي أن هذه الظاهرة تمثل نزيفاً مستمراً للطاقات الشابة، مما قد ينعكس سلباً على مستقبل التنمية في المحافظة ويزيد من تعقيد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية.
يلخص أهالي طرطوس مطالبهم في مجموعة من الإجراءات التي يرونها ضرورية للتخفيف من حدة البطالة. في مقدمة هذه المطالب، يأتي تقديم تسهيلات حقيقية للمستثمرين لإنشاء مصانع ومنشآت إنتاجية قادرة على استيعاب الأيدي العاملة. كما يشددون على أهمية دعم القطاع الزراعي، من خلال توفير المحروقات والأسمدة بأسعار مدعومة، بهدف إعادة إحياء النشاط الريفي الذي كان يشكل مصدراً رئيسياً للدخل والتشغيل.
إضافة إلى ذلك، يطالب السكان بربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وتوفير قروض ميسرة للمشاريع الصغيرة، لتمكين الخريجين من إطلاق أعمالهم الخاصة بدلاً من الانتظار الطويل للوظائف الحكومية المحدودة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي