مديرية زراعة الحسكة تستعد لاستئناف العمل وسط تحديات الدمج وإعادة الإعمار ودعم المزارعين


هذا الخبر بعنوان "زراعة الحسكة: استئناف عمل المديرية قريب جدًا.. الدمج وفق الكفاءة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة الحسكة في شمال شرقي سوريا مرحلة مفصلية على المستويين الإداري والخدمي، مع تسارع الجهود لإعادة تفعيل المؤسسات الحكومية. وتعد مديرية الزراعة، التي هي في مقدمة هذه المؤسسات، ركيزة أساسية للاقتصاد المحلي. تأتي هذه التحركات في ظل تغيرات ميدانية شهدتها المحافظة خلال الأشهر الماضية، انعكست بشكل مباشر على واقع العمل الزراعي والبنية التحتية المرتبطة به.
منذ منتصف كانون الثاني الماضي، دخلت المحافظة مرحلة جديدة بعد تقدم قوات الجيش السوري وسيطرتها على مساحات واسعة من الأرياف الشرقية والجنوبية، بينما بقيت المدن الرئيسة، مثل الحسكة والقامشلي، تحت سيطرة “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد). أفرز هذا الواقع تحديات إدارية معقدة، خصوصًا في ظل وجود مؤسسات مزدوجة كانت تعمل بشكل منفصل. لاحقًا، وضع اتفاق كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قسد” إطارًا لدمج المؤسسات، بما فيها المؤسسات الزراعية، ضمن الهياكل الوزارية الرسمية، مما فتح الباب أمام إعادة تشغيل مديريات الدولة، ومنها مديرية الزراعة في الحسكة.
في هذا السياق، تعمل مديرية الزراعة على استعادة نشاطها بعد فترة طويلة من التوقف أو العمل المحدود. وصرح مدير الزراعة في الحسكة، هايل الكلش، في حديثه إلى عنب بلدي، بأن المديرية باتت قريبة جدًا من استئناف عملها، بانتظار استكمال بعض الترتيبات اللوجستية. وأوضح الكلش أن العمل يجري بالتوازي على أكثر من مسار، أبرزها إعادة تأهيل البنية التحتية، وتنظيم الكوادر البشرية، إضافة إلى التنسيق مع الجهات الأخرى المعنية بعملية الدمج.
أجرى مدير الزراعة خلال الفترة الماضية سلسلة من الجولات الميدانية في مختلف مناطق المحافظة، بهدف الوقوف على واقع القطاع الزراعي بشكل مباشر. وبحسب الكلش، تركزت هذه الجولات على محورين رئيسيين: الأول تقييم أوضاع الدوائر الزراعية والوحدات الإرشادية من حيث الجاهزية الفنية والبشرية، والثاني التواصل مع المزارعين والاستماع إلى أبرز التحديات التي يواجهونها. وأشار إلى أن هذه اللقاءات كشفت عن مشكلات متعددة، أبرزها نقص الخدمات، وغياب الدعم الكافي، إضافة إلى الأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية الزراعية.
تُعدّ الوحدات الإرشادية من أهم الأدوات التي تعتمد عليها مديرية الزراعة في التواصل مع المزارعين، إلا أن واقعها الحالي يعكس حجم التحديات. ووفقًا لمدير الزراعة، فإن أكثر من 90% من هذه الوحدات تعرضت للتدمير أو التخريب، سواء من حيث الأبنية أو التجهيزات، ما يجعل إعادة تشغيلها مهمة معقدة. ولمواجهة هذا الواقع، وضعت المديرية خطة طوارئ تعتمد على استخدام الأبنية الأقل تضررًا، مع توزيع الموظفين على شكل فرق متناوبة لتخفيف الضغط على المنشآت المتاحة. كما تم إعداد تقارير رسمية بحجم الأضرار ورفعها إلى الوزارة، بانتظار تشكيل لجان مختصة للإشراف على إعادة التأهيل.
في إطار تنفيذ اتفاق الدمج، عقدت مديرية الزراعة اجتماعًا مع محافظ الحسكة، بحضور ممثلين عن الإدارة الذاتية، لبحث آليات دمج الكوادر العاملة في القطاع الزراعي. وبيّن الكلش أن الاتفاق ينص على اعتماد الكفاءة والخبرة كمعيار رئيسي في اختيار الموظفين الذين سيتم دمجهم ضمن الهيكلية الجديدة. ومن المقرر إعداد قوائم اسمية بالكوادر العاملة حاليًا، ليتم رفعها إلى وزارة التنمية الإدارية، التي ستتولى دراسة أوضاعهم واتخاذ القرارات المناسبة.
لا يزال ملف العاملين المفصولين لأسباب ”ثورية” من أبرز القضايا المطروحة، إلى جانب أوضاع العاملين بعقود مؤقتة. وأوضح مدير الزراعة أن ملف المفصولين قيد الدراسة حاليًا لدى وزارة التنمية الإدارية، بانتظار صدور قرارات رسمية بإعادتهم إلى العمل. أما بالنسبة للعاملين المؤقتين، فقد تم تجديد عقود قسم منهم لمدة تسعة أشهر، في حين لا تزال أوضاع القسم الآخر قيد الدراسة، وسط مطالب رفعتها المديرية للوزارة بالاستفادة من خبراتهم في المرحلة المقبلة.
مع اقتراب موسم الحصاد، تبرز تحديات إضافية، أبرزها مخاطر الحرائق التي تهدد المحاصيل الزراعية، خصوصًا في ظل الظروف المناخية وغياب البنية التحتية الكافية للاستجابة السريعة. وفي هذا الإطار، أشار الكلش إلى عقد اجتماع مع مديرية الطوارئ والكوارث في الحسكة، للاطلاع على خطة التعامل مع الحرائق، والتي من المتوقع إطلاقها قريبًا. وأكد أن مديرية الزراعة ستضع جميع كوادرها وإمكاناتها في خدمة هذه الخطة، بهدف حماية المحاصيل وتقليل الخسائر.
فيما يتعلق بعملية استلام المحاصيل، أوضح الكلش أن هذه المهمة ستتولاها مديرية التجارة الداخلية، في حين يقتصر دور مديرية الزراعة على تنظيم الجوانب الإدارية، مثل إصدار وثائق المنشأ والتراخيص. ونظرًا للظروف الحالية، سيتم اعتماد آلية “الكشف الحسي” لإعداد جداول المزارعين، بدلًا من الإجراءات التقليدية، وذلك لتسريع العمل وضمان مرونة أكبر في إدارة الموسم الزراعي.
ضمن جهود دعم القطاع الزراعي، بدأت مديرية الزراعة بالفعل بتسجيل طلبات المزارعين للحصول على المازوت الزراعي المدعوم، وهو عنصر أساسي في تشغيل الآليات الزراعية. كما تستعد المديرية لإطلاق مشروع بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، يتضمن توزيع الأعلاف المركزة وبذور الخضروات. ويهدف هذا المشروع إلى دعم مربي الثروة الحيوانية بشكل عاجل، إضافة إلى تحسين جودة الإنتاج الزراعي من خلال توفير بذور موثوقة.
لا تقتصر خطط المديرية على الحلول الإسعافية، بل تشمل أيضًا مشاريع استراتيجية طويلة الأمد، خصوصًا في مجال الري. وفي هذا السياق، جرى بحث عدد من المشاريع بالتعاون مع الهيئة العامة للموارد المائية ومنظمة “الفاو”، من أبرزها مشروع استجرار مياه نهر دجلة، وتأهيل بعض الحقول في السد الجنوبي للمحافظة. كما تشمل الخطط إدخال تقنيات الري الحديث، التي من شأنها تحسين كفاءة استخدام المياه وزيادة الإنتاجية الزراعية.
رغم هذه الخطط، لا تزال التحديات كبيرة، في ظل الدمار الواسع، ونقص الموارد، وتعقيدات المشهد الإداري. إلا أن إعادة تشغيل مديرية الزراعة تمثل خطوة أساسية نحو استعادة النشاط الاقتصادي في المحافظة، خاصة أن الزراعة تشكل المصدر الرئيسي للدخل لآلاف الأسر. ويبقى نجاح هذه الجهود مرهونًا بمدى القدرة على تنفيذ خطط التأهيل، وضمان التنسيق بين مختلف الجهات، إضافة إلى توفير الدعم اللازم للمزارعين. تقف الحسكة اليوم أمام فرصة لإعادة بناء قطاعها الزراعي، مستفيدة من التفاهمات السياسية والإدارية الأخيرة، إلا أن الطريق لا يزال طويلًا ومليئًا بالتحديات. ومع بدء عودة المؤسسات الرسمية، تبدو مديرية الزراعة في صلب هذا التحول، باعتبارها الجهة المسؤولة عن تنظيم ودعم أحد أهم القطاعات الحيوية في المنطقة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي