سوريا ما بعد الأسد: استعادة الدور الإقليمي في ظل تحولات عميقة


هذا الخبر بعنوان "سوريا امام دور إقليمي قائم" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لطالما سادت في مراحل التعليم الرسمي السوري الإشارة إلى الموقع الجغرافي لسوريا كإحدى المزايا الاستراتيجية التي تؤهلها للعب دور إقليمي محوري ذي امتدادات دولية. وغالباً ما كانت هذه الإشارة تستدعي شروحات مفصلة حول طبيعة الكيان السوري كمنطقة اتصال وتواصل بين الشرق والغرب، ومعبر حيوي بين الشمال والجنوب، مع استعراض لقوافل التجارة والفعاليات الحضارية الموازية، خاصة الثقافية والدينية، وحملات الجيوش التي عبرت سوريا تاركة بصماتها في تاريخها وحياة سكانها.
من الطبيعي أن تهتم نخبة السوريين ورجال الاستقلال بدور حضاري واقتصادي لكيانهم في المحيط الإقليمي، وقد تجلى ذلك بوضوح في توجهاتهم وسياساتهم نحو محيطهم العربي. وتكرس هذا التوجه عبر إنشاء بنية اقتصادية إنتاجية وخدمية ذات تطلعات إقليمية، شملت زراعات استراتيجية كالقمح والقطن، ومصانع غزل ونسيج وأسمنت، وشبكة مصارف، وأخرى للنقل والاصطياف، وجامعة عريقة ومميزة، بالإضافة إلى ميناء اللاذقية، وخطوط نقل النفط من شمال العراق ومنطقة الخليج إلى ساحل البحر المتوسط.
غير أن تزايد دور العسكر في الحياة السورية، مع بدء الانقلابات في عام 1949، دفع سوريا نحو تغييرات عميقة باتجاه العسكرة. وشيئاً فشيئاً، أصبحت الشؤون العسكرية والأمنية هي المحور والموجه للسياسات والعلاقات على المستويين الداخلي والخارجي العربي والدولي. تجسد هذا بوضوح، خاصة في نظام حافظ الأسد الذي امتدت سنوات صعوده وحكمه بين عامي 1963 و2000، حيث عاشت البلاد في غرفة عمليات بين انقلابات وحروب ومعارك وتسويات متواصلة في سوريا، وبعضها مع جماعات مسلحة، ومواجهات وتدخلات سياسية وعسكرية مع وفي العراق والأردن ولبنان، وعلى الفلسطينيين، ومع الإسرائيليين، إضافة إلى حربَي 67 و73 مع إسرائيل، ومشاركة في حرب الخليج الأولى والثانية بأشكال مختلفة. وقد سار وريثه بشار الأسد على ذات الخط، وكانت حربه على السوريين بين عامي 2011 و2024 أهم معالم المسار الدموي لعسكرة سوريا.
مع انهيار نظام الأسد وولادة بديله الجديد، بدا من الطبيعي أن تتبدل التوجهات والسياسات السورية عما كانت عليه، مستندة إلى عوامل أساسية تتمثل في الاختلافات الآيديولوجية والسياسية للنظام الجديد. وقد عبر هذا النظام عن تحولاته في مظاهره وقوله وفعله؛ إذ أعلن عن توجهاته السلمية في علاقاته الخارجية، وقام بحل جميع المؤسسات العسكرية والأمنية التابعة للنظام السابق، وأعاد تشكيل الجيش والمؤسسة الأمنية وفق رؤية مختلفة، يُقدر أنها لن تتجاوز حفظ النظام وتطبيق القانون في المدى المنظور.
إن ما جرى ويجري في سوريا من تغييرات في طبيعة السلطة وسياساتها، هو تعبير عن تحولاتها من الدولة العسكرية-الأمنية الاستبدادية، والسير نحو نظام جديد ترسم ملامحه مرحلة انتقالية. تؤشر هذه المرحلة إلى تجربة رئاسية تتشارك فيها السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتأخذ البلاد نحو تطبيع الحياة السورية، وخلق نظام سياسي واقتصادي واجتماعي حر، يوفر العدالة والمساواة والفرص المتكافئة لكل السوريين، وهي مطالب أساسية كانت في ثورة السوريين على نظام الأسد.
أما موضوع الدور الإقليمي لسوريا، فهو ظاهر في اهتمامات النظام الجديد، وتعبر عنه ثلاثة مؤشرات واضحة؛ أولها علاقات انفتاح سوري على المحيط، ليس فقط لمعالجة إرث ما خلّفه النظام البائد، وإنما من أجل خلق وتطوير علاقات إيجابية وفرص أفضل تؤمّن المصالح المشتركة بين الأطراف المختلفة. والثاني استكشاف مجالات العمل والعمل المشترك القائمة والمتاحة بين سوريا ودول الإقليم، مما يساهم في رسم مسارات ومستويات العمل المقبل. والثالث تحديد أولويات العمل ومستوى الشراكات عبر اتفاقات وتفاهمات بين الدولة السورية ومؤسساتها ودول الإقليم وشركاتها ومؤسساتها.
لقد سعت سوريا، بالتعاون مع الفاعلين الإقليميين والدوليين الداعمين لها، إلى رفع العقوبات الدولية عنها، ووفرت لقاءات، وشاركت في فرص عرض أوجه التعاون والشراكات، ووقعت بروتوكولات تعاون واتفاقيات، دخل بعضها حيز التنفيذ. بل بدأت، سواء عبر هياكل الدولة السورية أو الاستثمار الخاص، في تنفيذ بعض المشاريع، وتقوم بدراسة مشاريع أخرى، يُفترض أن كثيراً منها يصب في سياق التعاون الإقليمي، وبينها فكرة الدور السوري في شبكة حديثة للقطارات تربط بين تركيا والمملكة العربية السعودية لنقل الركاب وتأمين سلاسل التصدير والاستيراد.
تبقى مشكلة التحول السوري وما يتصل به من تطورات أن مجرياته تسير دون خطة معلنة وشفافية مطلوبة. وهذه من الأمور التي تشكل قلقاً للمستثمرين من أفراد وشركات ودول، الأمر الذي يفرض على السلطات السورية التحرك، خاصة في هذا الوقت بالذات. (أخبار سوريا الوطن-الشرق الأوسط)
سياسة
سياسة
ثقافة
سياسة