معاناة السوريين في الخارج: التحويلات المالية بين تعقيدات البنوك ومخاطر السوق السوداء


هذا الخبر بعنوان "التحويلات المالية إلى سوريا.. بين قيود المصارف والسوق السوداء" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في رحلة مضنية للبحث عن سبيل لإرسال الأموال إلى ذويه في سوريا، تنقل أحمد الخطيب بين تسعة بنوك في حلب، مستفسراً عن آليات التحويل الخارجي. بعد وعود من البنك الوطني الإسلامي بقدرته على استقبال الحوالات، تفاجأ أحمد بخلو البيانات البنكية من رقم الحساب المصرفي الدولي (IBAN)، وبفشل محاولتيه لاستقبال حوالات من عمله في فرنسا، سواء عبر التحويل المباشر أو بنك وسيط في إيطاليا. كان الرد المتكرر هو "المشكلة في البنك المرسل"، دون تقديم حلول.
أكد له موظف في بنك آخر أن القيود المصرفية المرتبطة بالعقوبات، حتى مع الحديث عن تخفيف بعضها، تعيق البنوك السورية عن استلام وتسليم الحوالات الخارجية عبر القنوات الرسمية. وأشار إلى أن خدمة "موني غرام" هي الطريقة الوحيدة المتاحة، لكنها لا تخلو من عقبات، أبرزها سقف التحويل الذي لا يتجاوز ألفي دولار، وآلية الاستلام المرهقة التي تتطلب تسلم الحوالة على دفعات يومية لا تتعدى 50 إلى 100 دولار، ما يجعل زيارة البنك مهمة يومية شاقة.
تُعد التحويلات الخارجية شريان حياة للعديد من العائلات السورية، حيث تقدر قيمتها بأكثر من 1.8 مليار دولار سنوياً، وتشكل مصدراً أساسياً للدخل في ظل محدودية فرص العمل وتراجع الأجور. ورغم وجود نحو 21 بنكاً عاملاً في سوريا، منها ستة حكومية، إلا أن القطاع المصرفي يعاني من ضعف الثقة واستمرار مخاطر الامتثال المصرفي الدولي.
في آذار الماضي، لم يطرأ تغيير يذكر على الوضع، حيث ظلت الحوالات مقتصرة على نظام "موني غرام" مع تقييدات صارمة. بينما قدمت بعض المصارف آلية جديدة تتضمن إيداع التحويلات في بنوك بريطانية، وتسليمها في سوريا على دفعات لا تزيد عن 85 دولاراً في كل مرة. هذه الآلية تعني أن عائلة محمود، الذي يعمل في ألمانيا، ستحتاج إلى نحو ثمانية أشهر لسحب مبلغ عشرين ألف دولار كان قد ادخره لترميم منزله، مع الالتزام بالحضور اليومي إلى المصرف.
يقول محمود إن "العودة إلى السوق السوداء هو الحل الوحيد المتاح"، رغم مخاطرها وتكاليفها العالية. تتم هذه العمليات دون إثبات رسمي، عبر وسيط وإشعار لأحد مكاتب الصرافة المنتشرة. لكن هذه الطريقة ليست آمنة دائماً، فمحمد، الصحفي في ألمانيا، فقد معظم حوالة بقيمة خمسة آلاف دولار أرسلها لعائلته بعد أن أغلق المكتب أبوابه، ولم يستلموا سوى خمسمئة دولار.
يضطر غالبية السوريين في الخارج إلى اللجوء للسوق غير الرسمية لسهولة إجراءاتها وسرعة التسليم، رغم المخاطر والتكاليف المرتفعة التي تتراوح بين 7 و11 بالمئة من قيمة التحويل. بالنسبة للعاملين في شركات تفرض وجود حساب بنكي للتحويل، يضطرون لدفع مبالغ إضافية لأشخاص يقبلون استلام هذه المبالغ، أو اللجوء للمصارف الإلكترونية أو وسطاء يستقبلون الأموال مقابل عمولة تصل إلى 7 بالمئة، يضاف إليها أجور التحويل وفروقات التصريف، مما قد يكلف أحمد نحو 900 دولار عن كل خمسة آلاف يورو يحولها.
من جانبه، يشير عبد الرحمن العلي، من أحد مراكز الأبحاث في تركيا، إلى أن غياب آليات التحويل الرسمية خلق فرصة لأشخاص يفرضون عمولات تصل إلى 3 بالمئة على المبالغ التي يستقبلونها في حساباتهم، إضافة إلى أجور تحويل تتراوح بين 2 و5 بالمئة إلى سوريا.
يوضح الخبير والمحلل الاقتصادي أحمد عزوز أن صعوبة التحويلات لا تقتصر على العقوبات، بل تعود إلى "تراكمات بنيوية عميقة داخل القطاع المصرفي السوري"، واستمرار إدراج شخصيات ومؤسسات سورية على قوائم العقوبات، وتصنيف البيئة المالية السورية كعالية المخاطر. هذا يدفع البنوك الخارجية لتجنب أي تعامل مالي قد يعرضها لمساءلات قانونية أو غرامات.
ويضيف عزوز أن العقوبات الثانوية خلقت "الذاكرة الامتثالية" لدى المصارف العالمية، وهي حذر مفرط يدفعها لتجنب الأسواق الخاضعة للعقوبات حتى بعد تخفيفها، بسبب التكلفة العالية لإعادة تقييم المخاطر. كما أدى فقدان البنوك السورية لعلاقاتها الخارجية وانهيار النظام المصرفي اللبناني إلى "شبه شلل" في قنوات المدفوعات الرسمية، مما وسع شبكات الحوالات غير الرسمية.
لإعادة بناء الثقة الدولية بالقطاع المصرفي السوري، يرى عزوز ضرورة "إصلاحات عميقة" تشمل تحديث تشريعات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتعزيز الشفافية والحوكمة، وتطوير أنظمة الامتثال، وبناء علاقات مراسلة تدريجية مع بنوك أجنبية.
في نهاية المطاف، يفضل أحمد الخطيب دفع التكلفة المرتفعة في السوق السوداء على خوض معركة يومية مع الإجراءات البنكية المعقدة، في بلد تفرض فيه السوق السوداء قواعدها، وسط نظام مصرفي لا يزال معزولاً ووعود لم تتحقق بعد.
أُنتج هذا التقرير ضمن ورشة صحفية مشتركة لشبكات الإعلام والصحافة التعاونية في سوريا، نظمتها مؤسسة MICT الإعلامية بالتعاون مع 12 مؤسسة إعلامية سورية مستقلة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد