عمال المياومة في الحسكة: أجور متآكلة ومعيشة قاسية قبيل عيد العمال


هذا الخبر بعنوان "عمال “المياومة” بالحسكة.. معاناة وأجور لا تسدّ الرّمق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٨ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مع اقتراب الأول من أيار، الذي يصادف عيد العمال العالمي، تتجدد التساؤلات حول واقع الطبقة العاملة في مناطق شمال شرقي سوريا، وبالأخص في محافظة الحسكة، حيث تتفاقم الأزمات الاقتصادية والمعيشية بشكل غير مسبوق. وبينما يُعد هذا العيد عطلة رسمية في أكثر من 100 دولة حول العالم، ويهدف إلى تسليط الضوء على حقوق العمال وتعزيز التضامن بينهم، فإنه يحلّ على عمال "المياومة" في الحسكة في ظل واقع مغاير تمامًا، يتسم بتراجع القدرة الشرائية واتساع الفجوة بين الأجور ومتطلبات الحياة الأساسية.
خلال السنوات الأخيرة، أدى التدهور المستمر في سعر صرف الليرة السورية أمام العملات الأجنبية إلى تآكل قيمة الأجور بشكل كبير، ما جعل الدخل اليومي للعمال غير كافٍ لتغطية الاحتياجات الأساسية. ويعمل معظم عمال "المياومة" لساعات طويلة، قد تصل إلى 10 أو 12 ساعة يوميًا، مقابل أجور لا تتناسب مع الغلاء المتزايد في أسعار الغذاء والمياه والخدمات الأساسية. هذا الواقع فرض ضغوطًا معيشية قاسية على العمال، الذين باتوا عاجزين عن تأمين احتياجات أسرهم، ما يعكس أزمة إنسانية متصاعدة في المنطقة، وفقًا لشهادات عدد من العمال الذين التقتهم "عنب بلدي".
يوضح العامل خالد العلي أن ارتفاع تكاليف المعيشة أصبح عبئًا لا يُحتمل، مشيرًا إلى أن أسعار المياه وحدها تمثل تحديًا يوميًا، إذ يصل سعر خزان مياه بسعة خمسة براميل إلى نحو 40 ألف ليرة سورية. ويضيف أن النفقات الأخرى، مثل التعليم والعلاج والمواصلات، تضاعف من حجم الضغوط، مؤكدًا أن الادخار بات أمرًا مستحيلًا. ويقول العلي: "في السابق كنا نستطيع توفير جزء من دخلنا، أما اليوم فنكاد لا نغطي الطعام والشراب". ويطالب بضرورة ربط الأجور بسعر صرف مستقر أو إيجاد آلية تواكب التضخم، إلى جانب سن قوانين تحمي العمال من الاستغلال، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى مزيد من التدهور الاجتماعي.
يروي العامل محمود السالم، وهو حمّال في سوق الخضار المركزي بمنطقة مشيرفة، تفاصيل يومه الذي يبدأ مع ساعات الفجر الأولى، حيث يتوجه إلى السوق على أمل الحصول على فرصة عمل. يقول السالم إن الانتظار قد يستمر لساعات طويلة، وأحيانًا حتى المساء، دون أن يتمكن من إيجاد عمل. ويضيف: "في كثير من الأيام أعود إلى منزلي دون أن أجني أي مبلغ، وإن حصلت على عمل، فإن الأجر يكون محدودًا جدًا، بالكاد يكفي لشراء الخبز". ويشير إلى أن وفرة العمالة مقابل قلة الفرص تدفع الكثيرين إلى قبول أجور متدنية، في ظل غياب البدائل. ويؤكد السالم أن العمال يضطرون للقبول بأي عرض عمل، مهما كان ضعيفًا، لتجنب العودة إلى عائلاتهم خاليي الوفاض، مطالبًا الجهات المعنية بإيجاد حلول حقيقية، مثل توفير دعم مباشر أو خلق فرص عمل أكثر استقرارًا.
تتسم طبيعة أعمال "المياومة" في الحسكة بالقسوة، إذ تشمل نقل مواد البناء، وحمل الأثاث، والعمل في الحفريات، وهي مهام تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا. ويضطر العمال للوقوف في الساحات العامة لساعات طويلة، تحت أشعة الشمس صيفًا أو في البرد والمطر شتاءً، بانتظار من يستأجرهم. كما أن المنافسة الشديدة بين العمال، نتيجة قلة فرص العمل، تؤدي إلى انخفاض الأجور، ما يفتح الباب أمام ممارسات استغلالية من قبل بعض أرباب العمل، الذين يفرضون شروطًا مجحفة دون رقابة تُذكر.
في أحد أطراف مدينة الحسكة، يعمل سامي الحسين في معمل لصناعة "البلوك"، حيث يقضي يومه بين أكياس الأسمنت والغبار الكثيف. يبدأ عمله منذ ساعات الصباح الأولى ويستمر حتى غروب الشمس، في بيئة عمل تفتقر إلى أدنى معايير السلامة. يقول الحسين: "العمل هنا مرهق جدًا، أشعر أنه يستهلك طاقتي بالكامل، ورغم ذلك فإن الأجر لا يكفي لتأمين احتياجات أسرتي". ويضيف أنه يتقاضى نحو 50 ألف ليرة يوميًا، وهو مبلغ يفقد قيمته بسرعة بسبب تقلبات الأسعار. ويشير إلى أن أحلامه بتأمين تعليم جيد لأطفاله تراجعت أمام ضغوط الحياة اليومية، مضيفًا: "كل ما أفكر فيه الآن هو كيف أوفر الطعام لعائلتي".
في مشهد لم يكن مألوفًا في السابق، انخرطت نساء في سوق العمل في الحسكة، خاصة في الأعمال الزراعية الشاقة. تقول العاملة أمينة الخلف، وهي في الثلاثينيات من عمرها، إنها اضطرت للعمل بعد فقدان زوجها، لتأمين مصدر دخل لعائلتها. تعمل الخلف في تنظيف وفرز المحاصيل الزراعية، وتقضي ساعات طويلة تحت الشمس، مقابل أجر يعتمد على كمية الإنتاج. وتوضح أنها لم تكن تتخيل العمل في هذا المجال، لكنه أصبح الخيار الوحيد المتاح. وتضيف: "رغم صعوبة العمل ونظرة المجتمع أحيانًا، أشعر بالفخر لأنني أستطيع إعالة أطفالي". وتشير إلى أن النساء أصبحن يشكلن جزءًا مهمًا من سوق العمل، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية وغياب المعيل في كثير من الأسر.
تعود أزمة العمال في الحسكة إلى عدة عوامل، أبرزها التدهور المستمر في قيمة العملة المحلية، وغياب المشاريع الاستثمارية التي يمكن أن توفر فرص عمل مستقرة، إضافة إلى ضعف الرقابة على سوق العمل. كما يسهم غياب التشريعات الفعالة في حماية العمال في تفاقم الأزمة، حيث يفتقر كثير من العمال إلى أي مظلة قانونية تضمن حقوقهم، سواء من حيث الأجور أو ساعات العمل أو ظروف السلامة.
يرى الباحث الاجتماعي عدنان أحمد أن معالجة أزمة العمال تتطلب حزمة من الإجراءات العاجلة، في مقدمتها ربط الأجور بالدولار الأمريكي أو بأي مؤشر ثابت يواكب التضخم، لضمان الحفاظ على القدرة الشرائية. كما يشدد على أهمية سن تشريعات تحمي العمال من الاستغلال، وتحدد حدًا أدنى للأجور، إلى جانب تنظيم ساعات العمل. ويؤكد ضرورة إطلاق مشاريع تنموية توفر فرص عمل دائمة، بدل الاعتماد على الأعمال المؤقتة. ويضيف أن تحسين ظروف العمل يجب أن يكون أولوية، من خلال توفير معدات السلامة، وإنشاء مراكز تنظيمية تربط العمال بأرباب العمل بشكل عادل، إضافة إلى توفير أماكن استراحة تضمن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
وبينما يستعد العالم للاحتفاء بعيد العمال، يبقى عمال الحسكة منشغلين بتحدياتهم اليومية، في محاولة للبقاء وتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، بانتظار حلول قد تعيد لهم شيئًا من الاستقرار والكرامة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي