باسل قس نصر الله: كيف فضحت نعوات حلب هجرة أهلها وكرست وجع البقاء


هذا الخبر بعنوان "أوراق نعواتنا تفضح هجرتنا" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ نيسان ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتأمل المهندس باسل قس نصر الله في تجربته الأولى لزيارة المقابر، مستذكراً بوضوح تفاصيل قراءته لأسماء الموتى على القبور في حلب. يصف كيف كان يربط بين عائلاتهم وأصدقائه المسيحيين، ويكتشف قصصاً عديدة من خلال أسئلته عن الراحلين. ومع مرور الوقت، أدرك أن مقابر حلب، شأنها شأن مدن أخرى، تتسم بطابع "أهلي محلي" حيث يعرف الجميع بعضهم البعض، ويشكل كل قبر جزءاً من ذاكرة أحياء المدينة. وقد منحه هذا الإدراك شعوراً بالراحة، مطمئناً نفسه بأنه لن يُدفن مستقبلاً بين غرباء.
لكن هذا الشعور بالراحة تبدد مع إدراكه أن هذه المدينة العتيقة، التي تتشبع كل زاوية منها بالذكريات، بدأت تفقد جزءاً من روحها بسبب تداعيات الثورة السورية. فقد هاجر الكثيرون من حلب، تاركين مدينتهم خلفهم هرباً من القذائف وغياب الأمان. وباتت أوراق النعوات اليوم تكشف بوضوح مدى تشتت العائلات، مبينةً كم أصبح للميت أقرباء في المهجر، وهو ما يراه الكاتب "فضيحة" للهجرة التي تسري بين أهل المدينة.
يؤكد الكاتب أنه بقي ولم يغادر حلب، ولا يلوم أحداً على مغادرته، فلكل إنسان خياراته وأسبابه. لكنه اختار البقاء، ليس لشيء إلا خشية الموت في أرض غريبة، حيث لا يعرفه المكان ولا الناس. ففي حلب، هو جزء لا يتجزأ من المكان؛ تعرفه شوارعها وأرصفتها وكل زقاق فيها يحمل له ذكرى. لا يستطيع أن يتخيل الموت في مدينة لا تذكره بشيء، فشوارع حلب ليست مجرد ممرات، بل هي سجل طويل من اللحظات التي عاشها.
يصف الكاتب كيف أن الباعة والمارة وعمال النظافة في أزقة حلب يعرفونه، وحتى مزاريب المياه الحجرية والحفر الممتلئة بماء المطر في الحارات القديمة تحمل له ذكريات طفولته. يتساءل: كيف يمكنه أن يموت في مدينة لا يوجد فيها من يذكره؟ وكيف يستطيع العيش في مكان لا تعني له شوارعه شيئاً؟
يقر الكاتب بوجود مدن أجمل وأكثر تقدماً من حلب، لكنه يتساءل بلاغياً: هل يمكن لأم أخرى أن تحل محل أمه؟ وهل يمكن لمدينة أخرى أن تعني له ما تعنيه حلب؟ مؤكداً أن لا شيء يعادل الانتماء لمكان نشأ فيه وعاش طفولته. فحلب ليست مجرد مدينة بالنسبة له، بل هي جزء من كيانه، كالأم التي لا يمكن لأي شيء أن يعوض مكانها في القلب.
رغم الهجرة التي طالت العديد من أهالي حلب، لم يغادر الكاتب. لقد اختار البقاء لأنه لا يمكنه أن يعيش في مكان لا يحمل ذكرياته، ولا يمكنه أن يموت في مدينة لا تحتفظ له بذكريات ولا بوجوه يعرفها. حلب، رغم كل ما مرت به، هي الوطن الذي لا يمكنني تركه، هي تاريخي. اللهم اشهد بأني بلّغت. (موقع:أخبار سوريا الوطن)
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي