تحويل العدالة في سوريا إلى مسرح طائفي: دعوة للمحاسبة الفردية ورفض للذنب الجماعي


هذا الخبر بعنوان "حين تتحول العدالة إلى مسرح طائفي" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مقال رأي للكاتب محمد محمود هرشو، يتم تسليط الضوء على تطور خطير يتشكل في المشهد السوري الراهن، وهو أمر لا يمكن التهاون معه أو تغليفه بعبارات دبلوماسية. يشير هرشو إلى موجة تحريض واسعة النطاق تجتاح منصات التواصل الاجتماعي، والتي تجاوزت مجرد إدانة الجرائم لتصل إلى مستوى أخطر: تحويل الجريمة إلى هوية جماعية، والقاتل إلى ممثل لطائفة بأكملها، والعدالة إلى مشهد إذلال جماعي.
يصف الكاتب هذا التحول بأنه مطلب مفاجئ بوضع جماعة كاملة في قفص الاتهام، وتقديمها ككتلة ذنب جاهزة، والدفع بها نحو "اعتذار" جماعي لطرف آخر. وكأن المأساة السورية برمتها يمكن اختزالها في لقطة مسرحية: طائفة تعتذر، وأخرى تمنح الغفران، ثم يُعلن انتهاء الأزمة. يؤكد هرشو أن هذا ليس مساراً للعدالة، بل هو عبث خطير.
ويزداد الأمر خطورة، بحسب الكاتب، كون هذا الخطاب لا ينبع من فراغ، بل يجد مساحة للتوسع في ظل صمت رسمي مريب. فغياب الموقف الواضح، وعدم وجود أي ردع، أو حتى إشارة إلى أن تحميل جماعات كاملة مسؤولية الجرائم يمثل خطاً أحمر، يجعل هذا الصمت في بلد خرج لتوه من حرب أهلية طويلة أمراً لا يمكن تفسيره بالحياد. بل يبدو، في أفضل الأحوال، عجزاً، وفي أسوئها، تواطؤاً غير معلن مع خطاب الكراهية.
ويبرز هرشو الازدواجية الفاقعة في هذا الخطاب؛ فالأصوات ذاتها التي تؤكد أن "الأكثرية ليست طائفة" عندما تسعى لتثبيت موقعها كمرجعية عامة، تعود لتتعامل معها كطائفة عندما يحين وقت توزيع الاتهامات. فجأة، يصبح الطرف الآخر "طائفة يجب أن تعتذر"، بينما يبقى الطرف الأقوى بمنأى عن أي مساءلة جماعية. بهذا المنطق، لا يتم إلغاء الطائفية، بل يُعاد إنتاجها بصورة أكثر وقاحة.
لا ينكر الكاتب وقوع جرائم هائلة في سوريا، مؤكداً على حقيقة السجون والمقابر والبيوت المهدمة والضحايا الذين ما زالوا بلا أسماء. لكنه يطرح سؤالاً بسيطاً يتجاهله هذا الخطاب: من ارتكب الجريمة؟ الجواب، بحسب هرشو، ليس طائفة، بل هو أشخاص، أجهزة، قادة، منفذون، ومبررون. إنها أسماء يجب أن تُذكر، وملفات يجب أن تُفتح، ومسؤوليات يجب أن تُحدد. فمتى تحول السؤال من "من فعل؟" إلى "لمن ينتمي؟"، تختفي العدالة. وعندما يُطلب من الأبرياء الاعتذار مع المذنبين، ينجو المذنب مرتين: مرة من المحاسبة، ومرة من التحديد.
ولا يقتصر الأمر على التحريض، بل يتسلل خطر آخر بهدوء: تحويل العدالة الانتقالية إلى طقس رمزي فارغ. فالاعتذار، في أدبيات العدالة، ليس نقطة البداية، بل هو نتيجة لمسار طويل يبدأ بالكشف عن الحقيقة، ثم المحاسبة، فجبر الضرر، وصولاً إلى ضمان عدم التكرار. أما القفز مباشرة إلى "اعتذار جماعي"، فهو استبدال رخيص للعدالة بمشهد عاطفي سطحي.
ويوضح هرشو أن الطائفة ليست دولة؛ فهي لا تملك أرشيفاً، ولا قضاءً، ولا سلطة محاسبة، ولا قدرة على التعويض. فكيف تتحول فجأة إلى جهة مطالبة بالاعتذار؟ ما يحدث اليوم، في رأي الكاتب، ليس سعياً للعدالة، بل هو إعادة ترتيب للذنب على أسس هوياتية. وهذا أخطر من الجريمة نفسها، لأنه يفتح الباب أمام دورة جديدة من الكراهية، حيث يصبح كل فرد متهماً سلفاً بسبب اسمه، وكل جماعة مشروع ضحية أو جلاد محتمل.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل شعور شريحة واسعة من السوريين بأن العدالة المطروحة انتقائية، وأن بعض الآلام يُعترف بها بينما تُترك آلام أخرى خارج دائرة الاهتمام. هذا الشعور حقيقي، لكن تحويله إلى وقود للتحريض لن يعالج المشكلة، بل سيعمقها.
يختتم الكاتب مقاله بمعادلة واضحة وبسيطة، رغم كل التعقيد: لا دفاع عن أي مجرم، مهما كان انتماؤه، ولا اتهام لأي جماعة، مهما كانت الضغوط. فسوريا لا تحتاج إلى اعتذارات طائفية، بل تحتاج إلى حقيقة، إلى قضاء عادل، إلى محاسبة حقيقية، وإلى ذاكرة لا تُزوّر. تحتاج إلى شجاعة تقول للقاتل: أنت القاتل، وتقول للضحية: لن نستخدم دمك لبناء ظلم جديد. ما يحدث اليوم ليس تفصيلاً عابراً، بل هو مفترق طريق: إما دولة قانون، أو ساحة ثأر جماعي. وإذا استمر هذا الصمت، وهذا التواطؤ، وهذا الانزلاق، فإن السؤال لن يكون من سيُحاسَب، بل من سيكون الضحية التالية.
صحة
اقتصاد
سياسة
سياسة