تمديد استبدال العملة في سوريا: أزمة المصرف المركزي تحوّل المصارف إلى أمناء صناديق


هذا الخبر بعنوان "تمديد استبدال العملة.. أزمة “المركزي” وتحويل المصارف لأمين صندوق وابعادها عن وظيفتها الجوهرية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: محمد راكان مصطفى
في مشهد يعكس التحديات المعقدة التي يواجهها الاقتصاد السوري الراهن، أعلن مصرف سوريا المركزي للمرة الثانية عن تمديد فترة استبدال العملة القديمة بالجديدة، مانحاً المواطنين والمصارف مهلة إضافية تنتهي في 30 حزيران 2026. يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن هذا القرار، الذي يهدف ظاهرياً إلى استكمال إحلال ما تبقى من كتلة نقدية هائلة تُقدّر بـ42 تريليون ليرة سورية قديمة، يكشف في جوهره عن أزمة أعمق تتعلق بفقدان أدوات السياسة النقدية التقليدية، وتقلّص دور الجهاز المصرفي ليصبح مجرد منصة لوجستية لإدارة عملية التبديل، بعيداً عن وظيفته الأساسية في تمويل الاستثمار وتجميع المدّخرات.
أوضح الدكتور قوشجي في حديثه لـ”الوطن” أن عملية الاستبدال الجارية لم تتمكن حتى الآن من استيعاب سوى نحو 50 إلى 55 بالمئة من إجمالي الكتلة النقدية المتداولة في السوق السورية، مما استدعى تمديد المهلة لشهر إضافي. ولفت إلى أن هذا البطء في وتيرة الاستبدال لا يعود فقط إلى تحدّيات لوجستية تتعلق بتوزيع العملة الجديدة عبر فروع المصارف، بل يشير أيضاً إلى وجود حجم كبير من الكتلة النقدية العاجزة عن العودة إلى الاقتصاد السوري.
يشير قوشجي إلى أن أحد أبرز تداعيات هذه العملية هو تسليط الضوء على ضعف مصرف سوريا المركزي في إدارة الكتلة النقدية بشكل فاعل. فالتصريح الصادر عن حاكم المصرف بشأن الرهان على طباعة 14 مليار قطعة نقدية وإغراق السوق بها، يهدف فقط إلى استبدال شكل العملة دون المساس بحجم الكتلة النقدية الإجمالية، في ظل غياب أي استراتيجية حقيقية لامتصاص الفائض النقدي أو توجيهه نحو قنوات إنتاجية. وأكد أنه في الاقتصادات التي تعاني تضخماً جامحاً، مثل الاقتصاد السوري، يكون البنك المركزي هو المسؤول الأول عن إدارة السيولة عبر أدوات مثل سعر الفائدة والاحتياطي الإلزامي. وأضاف أن الحالة السورية اليوم تشهد عملية استبدال تجري بمعزل عن أي سياسة نقدية انكماشية أو توسعية، مما يجعل إدارة النقد السوري 'خارج قدرة المركزي'، بمعنى أن المركزي يدير أوراقاً نقدية، لا سياسةً نقدية.
يرى الخبير المصرفي أن جهد القطاع المصرفي السوري ينصرف حالياً بشكل شبه كامل إلى إدارة دورة حياة العملة الجديدة، من خلال استلام الودائع القديمة وترجمتها آلياً إلى الليرة الجديدة، وتوزيع الفئات النقدية على المودعين. وهذا ما حوّل دور المصارف إلى 'دور ثانوي' يقتصر على حفظ النقود وصرفها، وأبعدها عن وظيفتها الجوهرية في الوساطة المالية، أي تحويل المدّخرات والودائع إلى قروض واستثمارات تُغذّي النشاط الاقتصادي. فبدلاً من أن تكون المصارف محرّكاً لتمويل المشاريع الإنتاجية وإعادة الإعمار، نراها غارقة في أزمة سيولة حادة، تعجز فيها حتى عن تلبية طلبات السحب النقدي لعملائها.
وأكد قوشجي أن هذا المشهد يُفرّغ مفهوم 'الودائع' من جدواه الاقتصادية؛ فالوديعة التي لا يمكن تداولها أو استخدامها كضمان للحصول على تمويل، تتحوّل إلى رقم جامد في سجل مصرفي، لا قيمة فعلية له في تحريك عجلة الاقتصاد. وشدّد على أن استمرار هذا النهج يكرّس دور القطاع المصرفي كأمين صناديق وليس كشريك في التنمية، مما يعمّق الفجوة بين القطاع المالي والقطاع الحقيقي في سوريا.
يختتم قوشجي بالقول إن تمديد فترة استبدال العملة ما هو إلا عرضٌ لأزمة هيكلية أعمق، فإصدار أوراق نقدية جديدة في ظل اقتصاد يعاني انكماشاً حاداً وتراجعاً في الإنتاج، لا يمكن أن يكون بديلاً من سياسة اقتصادية شاملة. وأكد أن التحدّي الحقيقي لمصرف سوريا المركزي لا يكمن في إكمال عملية استبدال 42 تريليون ليرة، بل في استعادة الثقة بالعملة الوطنية كوعاء للادّخار والاستثمار. وشدّد على أن هذا لن يتحقق إلا عندما يتوقف الجهاز المصرفي عن كونه مجرد أمين صندوق للدولة، ويتحوّل إلى مؤسسة قادرة على الإقراض وتمويل الاستثمار، وإلا ستظل العملة الجديدة مجرد 'ورقة نقدية جديدة' تحمل رائحة الأزمة القديمة.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد