سوريا تحقق قفزة "تاريخية" في حرية الصحافة: تحليل لتصنيف "مراسلون بلا حدود" ومن يستحق الاحتفال؟


هذا الخبر بعنوان "ماذا يعني تصنيف “مراسلون بلا حدود”.. ومن يحق له الاحتفال في سوريا؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في خطوة لافتة، حققت سوريا، بحسب علي عيد، قفزة "تاريخية" بمقدار 31 درجة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة، حيث انتقلت من المرتبة 177 إلى المرتبة 141. هذا التقدم أثار تساؤلات حول طبيعته؛ هل هو مجرد إعادة ترتيب على المؤشر أم أنه يعكس تطوراً حقيقياً في مجال حرية الصحافة؟ ومن هي الجهة التي يحق لها الاحتفال بهذا الإنجاز، وما هي الخطوات المطلوبة للمستقبل؟
وفقاً لمنظمة "مراسلون بلا حدود"، يُعد هذا التقدم هو الأول من نوعه الذي تسجله دولة بهذا المستوى في تاريخ تصنيف المنظمة على مدى ربع قرن. وبفضل هذه القفزة، خرجت سوريا من "النطاق الأسود" الذي يمثل بيئات العمل الصحفي الأكثر خطورة في العالم، لتنتقل إلى "النطاق الأحمر"، الذي لا يزال يشير إلى وضع غير مثالي بطبيعة الحال.
يهدف هذا التصنيف إلى مقارنة مستوى الحرية المتاح للصحفيين ووسائل الإعلام في 180 دولة خاضعة للتحليل. وتُعرف "مراسلون بلا حدود" وفريق خبرائها حرية الصحافة بأنها: "الإمكانية الفعلية للصحفيين، بشكل فردي وجماعي، لاختيار وإنتاج ونشر المعلومات التي تصب في المصلحة العامة، وذلك في استقلال عن التدخل السياسي والاقتصادي والقانوني والاجتماعي، ودون أي تهديدات ضد سلامتهم الجسدية والعقلية". هذا التعريف يقودنا إلى استكشاف الأسباب والمعايير وراء هذه القفزة في سوريا، وتحديد من يستحق الاحتفاء بهذا التطور، وما هي المسؤوليات المترتبة عليه.
تعتمد استبانة وخريطة حرية الصحافة على خمسة مؤشرات رئيسية هي: السياق السياسي، والإطار القانوني، والسياق الاقتصادي، والسياق الاجتماعي والثقافي، والسياق الأمني. ويُعنى التصنيف بتقييم الواقع الذي شهدته البلدان خلال السنة التقويمية التي سبقت نشر التقرير من قبل المنظمة.
يتناول هذا السياق مجموعة من الأسئلة المعقدة، أبرزها: هل يلتزم المسؤولون الحكوميون والسياسيون بضمان حرية الصحافة؟ هل تغطي وسائل الإعلام العامة أو الحكومية كافة الآراء السياسية؟ هل تتجاهل وسائل الإعلام الرسمية المعلومات الحساسة عن الحكومة التي تنشرها وسائل الإعلام الخاصة؟ كما يشمل التغطيات العادلة خلال الانتخابات، وتأثير الحكومة على الخط التحريري للصحافة، ومدى استقلالية الصحافة، وشفافية عملية منح التراخيص الإعلامية. ويتطرق أيضاً إلى ما إذا كانت السلطات قد قيدت الوصول إلى مناطق معينة أو الإنترنت أو وسائل التواصل الاجتماعي، ووجود حملات تضليل أو دعاية واسعة، ومستوى الرقابة على المحتوى الصحفي عبر الإنترنت، وملاحقة الجناة المسؤولين عن قتل الصحفيين، ومدى تطبيق سيادة القانون لحماية حرية الصحافة في جميع المناطق.
يركز هذا السياق على مدى التصديق على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، وضمان حرية التعبير والصحافة في الدستور والقانون، ومدى فرض القوانين قيوداً مخالفة للمعايير الدولية. ويطرح أسئلة حول تجريم القانون للآراء (مثل التجديف أو إهانة السلطة)، وفرض عقوبات السجن على التشهير، وضمان سرية المصادر، والوصول إلى المعلومات، وحق التنظيم النقابي، والتعددية والاستقلال. بالإضافة إلى آليات حماية الصحفيين من الدعاوى التعسفية، واستخدام قيود (مثل الأمن والنظام العام) وقوانين الإرهاب لقمع الصحافة والصحفيين، وفرض قيود على إنشاء وسائل إعلام وممارسة الصحافة، وتطبيق عقوبات تعسفية (مثل الغرامات وسحب التراخيص)، وكذلك الرقابة دون قضاء وحجب المنصات الرقمية للمحتوى بأوامر تخالف المعايير الدولية، وأسئلة أخرى تتعلق بمحاكمة الصحفيين ووجود برامج لحمايتهم.
يتناول هذا الجانب جودة وأسعار خدمات الإنترنت، والصعوبات المالية التي قد تؤدي إلى توقف وسائل إعلام، وتركّز الملكية، وشفافية هوية مالكيها، وتضارب المصالح، وتأثير الدعم الحكومي على المحتوى، ومدى وجود وسائل إعلام مستقلة. كما يتطرق إلى آثار المنافسة، وتوزيع الدولة للإعلانات بشكل عادل، وتأثير المعلنين على التحرير. ويشمل أيضاً النزاهة، وقبول الصحفيين للأموال مقابل التأثير، ووجود الفساد في الإعلام، والفصل بين المحتوى الصحفي والإعلان، ووجود مواثيق لاستخدام الذكاء الاصطناعي، ومدى أدواته في الإعلام.
يرتبط هذا السياق بعدد من الجوانب الجوهرية، منها ثقة الجمهور بالإعلام، ومدى تعددية الآراء، وتعرض الصحفيين لحملات كراهية، ومنع ممارسة المهنة بسبب الجنسية أو الدين أو الجنس أو الخلفية الاجتماعية. كما يعالج احتمال وجود دعوات للرقابة على الصحافة من قبل جهات سياسية أو دينية أو عسكرية أو عصابات الجريمة المنظمة. وكذلك ممارسة الصحفيين للرقابة الذاتية خوفاً من السجن أو الاعتداء أو الضرر المهني.
يعالج هذا السياق ما إذا كان الصحفيون قد تعرضوا خلال السنة السابقة لإصدار التصنيف للقتل، الاعتقال أو الاعتقال التعسفي، الاختطاف، الاختفاء، الاعتداء الجنسي، التعذيب، والمراقبة. أو إذا ما أجبروا على المنفى، وصودرت معداتهم، أو جرى اختراق حساباتهم، وتعرضوا لضغوط نفسية وخسائر مهنية، أو تهديد مصادرهم، وممارسة قمع عابر للحدود ضدهم.
عند تقييم التقدم المحرز ضمن السياقات الخمسة، أظهر السياق السياسي تحسناً بـ 67 درجة، والاقتصادي بـ 72 درجة، والاجتماعي بـ 39 درجة، والقانوني بـ 38 درجة، بينما سجل السياق الأمني تقدماً بـ 24 درجة. هذا يشير إلى أن أفضل المؤشرات جاءت في السياقين الاقتصادي والسياسي، في حين كان التقدم الأقل في السياق الأمني.
بعد استعراض السياقات الخمسة، يبرز التساؤل: هل يحق للحكومة السورية الاحتفال بهذا التقرير، أم أن هذا الحق يقتصر على الصحفيين وحدهم؟ للإجابة بعدالة، يجب الإقرار بمسؤولية أي حكومة في أي دولة عن معظم الجوانب التي يتناولها التصنيف، بدءاً من التشريعات والقوانين والملاحقة والحماية والترخيص. فلو تراجعت سوريا في التصنيف، لكانت الحكومة هي من يتحمل المسؤولية. وفي المقابل، يلعب القطاع الصحفي نفسه دوراً حيوياً في قضايا النزاهة والالتزام الأخلاقي بالمعايير، كما يضطلع بدور أساسي في المناصرة والضغط لضمان حرية الصحافة واستقلالها.
بناءً على ما تقدم، يحق لأي جهة ساهمت في القفزة التي حققتها البلاد في التصنيف العالمي لحرية الصحافة أن تحتفل، ولكن دون مبالغة، فسوريا لا تزال ضمن "النطاق الأحمر". وهذا يضع مسؤولية على عاتق من يرى أنه الأحق بالاحتفال لمواصلة العمل نحو الوصول إلى "النطاق البرتقالي" أو "الأصفر" على الأقل، بينما يبقى "النطاق الأخضر" طموحاً كبيراً ومستقبلياً.
اقتصاد
سياسة
سياسة
سياسة