وادي السيليكون: من أشرار التكنولوجيا إلى إقطاعيي العصر الرقمي


هذا الخبر بعنوان "أشرار وادي السيليكون" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
استيقظ دونالد ترامب ذات يوم وغرّد بأنه سيقضي على حضارة بأكملها في ليلة واحدة. هذه الجملة، التي جاءت تتويجاً لسلسلة من التهديدات الموجهة لدول ورؤساء ورموز روحية، جسّدت ذروة الشر في تغريدة واحدة، محاكية السردية التي يسعى الإعلام الغربي لإسباغها على الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. ورغم تلويح ترامب باستخدام القنبلة، عاد لاحقاً لينفي إمكانية استخدام السلاح النووي خارج إطار الردع.
في العام الماضي، نشر ألكسندر كارب، أحد مؤسّسي شركة “بالانتير”، كتاباً بعنوان “الجمهورية التقنية”. وبعد بضعة أسابيع، نشرت الصفحة الرسمية للشركة على موقع “أكس” ملخّصاً للكتاب في 22 نقطة، اعتُبر بمثابة مانيفستو للشركة. هذا المنشور كان عبارة عن طرح عنصري حول التفوّق الحضاري للغرب، وهرمية الثقافات، وجوف التعدّدية، وضرورة استخدام العنف الموجَّه بالبرمجيات، معلناً أفول عصر الردع القائم على القنبلة الذرية وبدء عصر الردع القائم على الذكاء الاصطناعي.
وصف وزير المال اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس هذا الطرح قائلاً: “لو كان بإمكان الشر أن يغرّد، لغرّد بهذا المنشور”. ترتبط شركة بالانتير بعقود مع الجيش الأميركي، حيث تزوّده بأنظمة تحليل البيانات عبر الذكاء الاصطناعي لانتقاء الأهداف خلال العمليات العسكرية. وتشير تقارير إلى علاقة هذه الأنظمة بقصف مدرسة للطالبات خلال الحرب الأخيرة على إيران، ما أسفر عن مقتل 165 طالبة. كما ترتبط الشركة بعقود مماثلة مع إسرائيل في حربها على غزة ولبنان.
إذا كنت تعتبر شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون وكر الشرّ في العالم، فاعلم أن كارب هذا يعتبر نفسه ناقداً ومعارضاً لطريقة عمل تلك الشركات، لأنه يرى أنها لا توظف شرّها بما فيه الكفاية! يقول في مقدّمة كتابه إنّ جهودهم تركّزت على المُنتجات الاستهلاكية وهيمنة الإعلانات والتسوّق عبر الإنترنت ومنصّات التواصل الاجتماعي. يريد كارب القضاء على ما يسمّيه “استبداد التطبيقات”، ويسخر من اعتبار “الأيفون” أهم اختراع في العصر الرقمي، ويرى أن مؤسّسي شركات التكنولوجيا الكبرى كانوا مدفوعين بالربح والصعود الشخصي، فيما هو يحبّذ دوراً أكبر لوادي السيليكون في صنع القرار، وكأنما هذه الشركات هي سلطات مُنتخبة، وهو في الوقت نفسه يتغنّى بالحرّية والديمقراطية في المجتمعات الغربية!
يرغب كارب في أن تشارك هذه الشركات في السياسات الدفاعية (أي شنّ الحروب والمشاركة في الإبادة)، وتوظيف الذكاء الاصطناعي لإعادة صياغة الهوية الوطنية (أي العنصرية ضد المهاجرين)، وهو ما شرعت شركته في تنفيذه عملياً بعقودها مع شرطة الهجرة الأميركية (ICE) عبر برنامج تتبّع المهاجرين، وتثبيت “التفوّق الحضاري” للولايات المتحدة وحلفائها في أوروبا على خصومهم، والذي يعترف أنه بات هشّاً ولكنه لا يزال قائماً كما يقول.
يصعب عدم مقارنة العالم اليوم بالكثير من التصوّرات الديستوبية في الأدب والسينما. حتى إن صحافياً سأل وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث إن كان ينوي تغيير اسم وزارة الحرب إلى وزارة السلام، في إشارة ساخرة إلى عالم جورج أورويل في رواية “1984”، متعمّداً إهانة ذكاء الوزير (أو قلة ذكائه). في النظام الديستوبي الذي يرسمه لنا أورويل، تحكم وزارات تحمل أسماء: وزارة الحقيقة (مهمتها الدعاية والبروباغندا)، ووزارة الحب (مسؤولة عن العقاب والتعذيب)، ووزارة الرفاه (تتحكّم بالتقنين وإنتاج الندرة المصطنعة)، ووزارة السلام (مهمتها خوض الحروب المستمرة).
جاءت إجابة هيغسيث لتزيد المشهد عبثية، إذ اعتبر السؤال عظيماً، مجيباً: “بالفعل نخوض الحرب لأننا نعمل من أجل السلام”. طبعاً لم ينتبه الوزير إلى أنّ الصحافي كان يسخر منه، كما لم ينتبه إلى أن إجابته جاءت مطابقة حرفياً لأحد شعارات الحزب الحاكم في كتاب أورويل: “الحرب هي السلام”. هل من علاقة بين هذه التسميات وانحدار المجتمع؟ في دولة الإمارات هناك وزارتا السعادة واللامستحيل.
تخيّل أورويل في كتابه جهازاً سمّاه “تيلي سكرين”، هو عبارة عن تلفزيون يبثّ الدعاية والأخبار، لكنه في الوقت نفسه هو جهاز كاميرا مُزوَّد بمايكروفون يراقب المواطنين ويستمع لهم في جميع الأوقات، ولا يمكن إطفاؤه. أنا أطفأت الكاميرا والمايكروفون في إعدادات تطبيق “إنستغرام” ولكنّ الأخ الأكبر لا يزال يرسل لي “ريلز” عن كل أمر أقوم بذكره همساً أو جهاراً.
في مستقبل ديستوبي آخر كما تصوَّره كتاب “عالم جديد شجاع”، يتخلّى البشر عن حرّيتهم طوعاً مقابل التنعّم ببعض الراحة والمتعة والترفيه، تماماً كما نستسهل التسوّق على موقع “أمازون”، وكما ندوس على أزرار الموافقة على شروط الخصوصية مستعجلين الدخول إلى تطبيق ما من دون أدنى فكرة عما نضحّي به.
كارب نفسه يتغنّى في منشوره بأنّ نحو قرن من السلام قد ساد العالم دون صراع عسكري مباشر بين القوى العظمى، وأن ثلاثة أجيال على الأقلّ لم تعرف قط حرباً عالمية. أنا لم أعش حرباً عالمية، لكنني شهدت أربع حروب على الأقل – عالمية علينا – وأنا لا أزال في منتصف العمر. ذكّرني كارب بفيلم Equilibrium أو “التوازن” الذي يصوّر نظاماً مستقبلياً قمعياً، تمكّن من القضاء على الحروب عبر حقن البشر بمادة تمنعهم من الشعور وعبر منع الأدب والفنون والموسيقى.
سام ألتمان، هو أحد الأشرار الآخرين في وادي السيليكون، وأحد مؤسّسي شركة “Open AI” ومديرها التنفيذي، وهي الشركة التي أطلقت تطبيق “تشات جي بي تي”، الذي نسلّمه كل بياناتنا الشخصية طوعاً مسهمين في تدريبه مجاناً. عشرات الموظفين، بمن فيهم رؤساء في أقسام الأخلاقيات في الشركة، قدّموا استقالاتهم في الأعوام الماضية على خلفية تحويل الشركة الذكاء الاصطناعي إلى سلاح عسكري لا يتطلّب تدخّلاً بشريّاً.
يقول ألتمان في مقابلة شهيرة عندما سئل عن ضخامة التكاليف والكميات الهائلة من الطاقة التي يتطلَّبها تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي: “إنّ تدريب الإنسان أيضاً يتطلّب الكثير من الطاقة ويستغرق الأمر حوالي 20 عاماً والكثير من الطعام الذي تتناوله خلال هذه الفترة قبل أن تصبح ذكياً”. هكذا يقيس أشرار وادي السيليكون قيمة البشر. هؤلاء الأشرار أنفسهم يتحكّمون اليوم بالبرامج والتطبيقات المتعلّقة بالتعليم والترفيه التي يستهلكها أولادنا.
الأمهات أمثالي ممن لم يستسلمن بعد كلياً لشرّ التطبيقات والألعاب الإلكترونية، نشعر أننا في حرب مفتوحة غير متكافئة مع هؤلاء الأشرار. لا ألوم أبداً الآباء والأمهات الذين اختاروا الاستسلام في حرب تحاصرهم من كل اتجاه. تخيَّل أنك تحاول أن تنقذ أحدهم من الإدمان، وفي الوقت نفسه تنشر الكوكايين وقناني الويسكي في أرجاء البيت. هكذا يطلبون منّا أن نربّي أطفالنا اليوم.
لا تخضع شركات التكنولوجيا لما يكفي من التشريعات التنظيمية، وتعجز البيروقراطية الحكومية عن مواكبة وتيرة التطور التكنولوجي المتسارعة باطّراد، ما يؤدّي إلى طرح العديد من المُنتجات في الأسواق، بما في ذلك ألعاب الفيديو والمنصّات الموجّهة للأطفال، من دون تقييم آثارها وضررها. أو يخبروننا عن مخاطر هذه التطبيقات والمنصّات لكنهم لا يقومون بمنعها، بل يرمون بالمسؤولية على الأهل. نادراً جداً، تتدخّل الحكومات، متأخّرة أشهراً أو سنوات، لحظر تطبيق ما، كما حصل مع “روبلوكس” الذي حُظر في بعض البلدان. في استثناءات قليلة جدّاً، قامت بعض الدول، آخرها إسبانيا، بحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون الـ16 عاماً.
لا يقلّ مشاهير الوادي، إيلون ماسك وجيف بيزوس ومارك زوكربرغ، شرّاً عن هؤلاء. بحسب نظرية يانيس فاروفاكيس، فإننا نشهد نشوء “إقطاعية تكنولوجية”، حيث هؤلاء هم الإقطاعيون الجدد (Technofeudal lords)، والمنصّات الرقمية هي المرادف للأراضي في عصر الإقطاع، والمستخدمون -أي نحن- هم العبيد الرقميون إذ نولّد قيمة عبر النشر والتفاعل من دون الحصول على أجر، فيما تشكّل الداتا أو البيانات رأس المال السحابي (Cloud capital). ويفيد أن نتذكّر بأنّ تضخّم ثروات هؤلاء ليس سوى نتاج متراكم من العنف والاستغلال للبشر والطبيعة، فكما يقول الأكاديمي الاقتصادي جايسون هيكل إنّ البربرية إحدى سمات الاقتصاد الرأسمالي العالمي وليست عيباً عرضياً طارئاً عليه.
يصعب أن نتخيّل اليوم، أن المستقبل سيكون جميلاً مهما كنّا متفائلين ومحبّين للحياة، ولا يهوّن الأمر أن ترى البليونير الصهيوني اللبناني أنطون الصحناوي يفتتح المتاحف من ودائعنا التي سرقها. لكن، ما يقومون بتصفيته اليوم هو قدرتنا على الرفض، من هنا أهمّية الإصرار على عدم الرضوخ وإن كان في مساحة تلك الثواني القليلة قبل الضغط على زر الموافقة، وألّا نتوقّف عن المطالبة برؤية هؤلاء الأشرار في السجون، ابتداءً من صنفهم في بلادنا، وأن نصرّ على فرض الضرائب على ثرواتهم لا كمساهمة منهم، بل كحقّ لنا عليهم، فكما يقول الكاتب الهولندي روتجر بريجمان: “… ضرائب ثم ضرائب ثم مزيداً من الضرائب، لأن أي كلام آخر مجرّد هراء”.
تكنولوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا