مجازر رسم النفل ومزرعة الراهب: تفاصيل مروعة لـ"قرابين" على طريق حلب-حماة عام 2013


هذا الخبر بعنوان "مجازر الآبار.. قرابين على طريق حلب" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
استيقظ أهالي قرية رسم النفل، بريف حلب الجنوبي، فجر 21 من حزيران 2013، على مشاهد مروعة من القتل والحرق والرمي في الآبار، ومجازر بحق أطفال ونساء وشيوخ. جاء ذلك عقب دخول مفاجئ لقوات النظام السوري السابق، بعد تقدمها إلى بلدة خناصر وقرى أخرى تقع على الطريق الواصل بين مدينتي حلب وحماة، المعروف بطريق “إثريا”.
بعد مرور أكثر من شهر ونصف على تاريخ المجزرة، عاد أحمد المشعل، المقاتل في صفوف المعارضة حينها، والذي ينتمي إلى نفس المنطقة، بعدما استطاع المقاتلون إعادة السيطرة عليها. وجد المشعل جثثًا متفحمة داخل منازل في القرية، وقد دمرت هذه المنازل فوق الجثث، إلى جانب مقبرة جماعية جنوبي رسم النفل، وجثثًا بعضها متفسخ داخل آبار في القرية.
دخل عناصر النظام مترجلين بداية، دون آليات، إلى القرى الواقعة على طريق حلب- حماة، صبيحة 21 من حزيران 2013، قادمين من بلدة خناصر، التي تبعد عنها نحو 12 كيلومترًا، نحو الجنوب. اقتحموا المنازل التي تقع جنوبي القرية، لتبدأ الإعدامات الميدانية بحق الأهالي، بحسب ما رواه رئيس مجلس بلدية رسم النفل، أحمد عساف، لعنب بلدي.
هرب السكان الذين يسكنون في الجهتين الشمالية والشرقية باتجاه الشرق، ليستقروا ضمن منطقة خالية من جهات السيطرة، خلف تلة عزلتهم عن جنود النظام. جمع المشاركون في الحملة، وهم عناصر من النظام إضافة إلى مشاركة ميليشيات يعتقد أنها تتبع لـ”حزب الله” اللبناني، وفصائل شيعية، وأخرى محلية ذات طابع طائفي، الأهالي ضمن عدة تجمعات، في عدة منازل وفي المدرسة.
كان أكبر هذه التجمعات عددًا في منزل أحد سكان القرية وهو فرج الفواز، صاحب أول منزل في القرية من الجهة الشرقية. هناك، نفذ النظام والميليشيات المرافقة له إعدامًا ميدانيًا بجميع من كانوا في المنزل، وعددهم 58 ما بين طفل وامرأة، ثم فجروه فوق جثثهم، بحسب رئيس مجلس بلدية رسم النفل، عساف.
واقتاد النظام رجال القرية العائدين من الجهة الشرقية إلى الآبار، ورماهم أحياء فيها، وفق ما تشير إليه الدلائل، بحسب رئيس البلدية، الذي قال إن معظم الجثث لم تبدو عليها أي آثار لضرب الرصاص، كما أنهم كانوا مكبلي الأيدي ووضعت أكياس على رؤوسهم.
عند دخولهم إلى القرية، توجه المشعل ومن معه إلى البئر لمحاولة انتشال الجثث، إلا أنهم لم يستطيعوا انتشالها كلها بسبب تفسخ الجثث، وفق المقاتل في صفوف المعارضة. وفي حين استطاع الأهالي التعرف على معظم الجثث التي تم إخراجها من البئر، بحسب المشعل، فإنهم لم يتعرفوا حينها على جثث أخرى، كان النظام قد رماها في أحد الخنادق التي كانت على خط الجبهة بين الجانبين.
طلب المقاتل في صفوف المعارضة من أهل القرية جمع ملابس كانت تعود لأطفال ونساء بغية تعرف ذويهم عليها. ووفق المشعل، حاول الأهالي أيضًا إخراج الجثث الذين دفنهم النظام في المقبرة الجماعية، التي حفرها عبر آلية “تركس”، إلا أن السكان لم يستطيعوا إخراجهم، بسبب تشوهها وضياع هويتها، ما أدى إلى عدم تعرفهم عليها، نظرًا لمرور أكثر من شهر ونصف على دفنهم.
بحسب شهادتين متقاطعتين حصلت عليهما عنب بلدي، فإن ثلاثة أشخاص من أهالي المنطقة، يتهمون بأنهم كانوا ضمن الحملة العسكرية التي شنها النظام على القرى الواقعة على خط طريق حلب- حماة، أقنعوا أهل القرية بالعودة إلى منازلهم، ليرتكب النظام بهم المجزرة فيما بعد. هؤلاء هم: “ن. ع” و”أ. ج” و”ع. أ” (تحفظت عنب بلدي على أسمائهم الكاملة، بسبب عدم امتلاكها وثائق تثبت تورطهم، ولأسباب أمنية)، وحجتهم أن الجيش لن يتعرض لأحد.
أحد المتهمين، وهو “ن. ع” والذي كان مدرسًا في بلدة خناصر، قتل إلى جانب صفوف النظام في معاركه ضد فصائل المعارضة، في المنطقة ذاتها، بينما لا يزال المتهمان الآخران متواريين عن الأنظار، بحسب الشهادات التي حصلت عليها عنب بلدي. ووفق أحد المصادر، فإن “ن. ع” لم يثبت مشاركته في المجزرة بشكل قطعي، في حين أن “ع. أ”، والذي يعتقد أنه موجود في لبنان، و”أ. ج” الذي تدور الشكوك حول أنه ما زال في سوريا، فإنهما متهمان رئيسيان بالمشاركة في الحملة إلى جانب النظام والمليشيات الرديفة.
ينحدر كل من “ع. أ” و”أ. ج” من إحدى القرى القريبة من رسم النفل، وتجمعهم صلة قرابة بأهل قرية رسم النفل، إضافة لمعرفتهم بجغرافية المنطقة، ما دفع النظام إلى الاعتماد عليهم. الرواية التي سردها الشاهدان لعنب بلدي رويت على لسان “ع. أ” و”أ. ج”، الذين برروا لاحقًا بأنهم لم يكونوا على دراية بما سيفعله النظام، ونواياه بارتكاب المجازر بحق الأهالي، وفق ما أكده رئيس مجلس بلدية رسم النفل، عساف.
عادت هذه المجزرة إلى أذهان السوريين عقب العثور على مقبرة جماعية تضم نحو 55 رفاتًا بشرية، بينهم نساء وأطفال في قرية مزرعة الراهب بالريف الجنوبي، وفق ما ذكره مراسل الوكالة السورية للأنباء (سانا)، في 30 من نيسان الماضي. مجزرة مزرعة الراهب حصلت منتصف ليلة 21 من حزيران 2013، وفق ما أكده رئيس مجلس بلدية رسم النفل، عساف، الذي قال إن الرتل نفسه ارتكب المجزرة في قريته صباح ذلك اليوم.
في حين وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل 192 مدنيًا بينهم 27 طفلًا و21 امرأة، ضمن مجزرة قرية رسم النفل، أكد رئيس البلدية، أن عدد الضحايا في المجزرة بلغ 208 أشخاص. كما وثقت “الشبكة” مقتل ما لا يقل عن 250 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، من أهالي قرية المزرعة، بمساندة من “حزب الله” اللبناني. وتعتبر هذه المجزرة امتدادًا لمجازر أخرى ارتكبها النظام والميليشيات الرديفة له، في عام 2013، خلال ذروة معاركه مع فصائل المعارضة.
قالت إدارة منطقة السفيرة، تعقيبًا على خبر العثور على المقبرة، إن هذه الوقائع ليست جديدة على أبناء المنطقة، بل هي معروفة وموثّقة، وقد اطّلعت عليها جهات محلية، من بينها “محافظة حلب الحرة” (كانت تعمل في مناطق سيطرة المعارضة حتى عام 2016). وفي 1 من أيار الحالي، رافقت إدارة منطقة السفيرة فرق الهيئة الوطنية للمفقودين إلى موقع البئر في قرية مزرعة الراهب، للكشف عليه ميدانيًا.
وبحسب بيان لإدارة المنطقة، جرى تنفيذ الكشف بحضور قوى الأمن الداخلي وفرق الدفاع المدني، حيث تم تأمين الموقع والاطلاع على حالته، تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات الفنية واللوجستية اللازمة في مرحلة لاحقة. ويأتي هذا الإجراء في سياق التحضير لتجهيز الآليات والمعدات المختصة، تمهيدًا لبدء عمليات استخراج الرفات واستكمال أعمال التوثيق والتحليل وفق الأصول القانونية والإنسانية المعتمدة، بحسب إدارة منطقة السفيرة.
تعتبر بلدة خناصر، التابعة لمدينة السفيرة، عقدة وصل رئيسية لطريق حلب الواصل إلى حماة، ويتبع لها نحو 14 قرية، تقع على الطريق. وخلال الأعوام ما بين 2013 وحتى أواخر 2017، شكل هذا الطريق شريان إمداد رئيسي لمدينة حلب، خاصة بعد الانقطاع المتكرر للطرق الغربية الممتدة نحو مدينة إدلب واللاذقية المعروفة بـ “M4” و”M5”.
قطع مقاتلو المعارضة الطريق عام 2013، مشكلين حصارًا شبه مطبق على مناطق سيطرة النظام في مدينة حلب، ما دفع الأخير إلى إرسال رتل لمحاولة السيطرة على خناصر والقرى المحيطة بها. وحتى عام 2017، بقي الطريق وهذه القرى ما بين كر وفر وتعاقب سيطرة بين عدة جهات، هي فصائل المعارضة والنظام وتنظيم “الدولة الإسلامية”.
سياسة
صحة
سياسة
سياسة