الغارات الأردنية في الجنوب السوري: تحول استراتيجي في عمّان وتنافس إقليمي على النفوذ


هذا الخبر بعنوان "الغارات الأردنية على الجنوب السوري: حين يتقاطع أمن الحدود مع التنافس على النفوذ" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم مازن بلال
تشير الغارات الجوية الأردنية الأخيرة التي وقعت فجر الأحد 3 أيار 2026 على الجنوب السوري إلى تحول جوهري في نظرة عمّان إلى حدودها الشمالية. لم يعد الأردن يتعامل مع ملف التهريب كقضية أمنية محدودة، بل أصبح ينظر إليه كتهديد منظم يتشكل ضمن بيئة حدودية رخوة ومفتوحة على التدخلات الإقليمية. هذا التغيير يعني أن عمّان لم تعد تعتبر التهريب مجرد نشاط إجرامي معزول، بل تهديداً منظماً تتداخل فيه المخدرات والسلاح والمال والولاءات المحلية، وتسعى لتعطيل القدرة التي تتيح تكرار هذا النشاط.
يُظهر الجنوب السوري في صورته الراهنة تعقيداً إقليمياً متزايداً. فبينما يُعد ساحة أمنية مباشرة للأردن، تحول، منذ تصاعد الاضطرابات في السويداء ودرعا، إلى نقطة تماس حساسة بين الحسابات الأردنية و"الإسرائيلية" المتباينة. يشكل هذا الجنوب مجالين أساسيين: الأول يخص الأردن الذي يرى فيه عمقاً حدودياً مباشراً، حيث أن أي فوضى هناك تعني تزايداً في المخدرات والسلاح والتهريب، وبالتالي ضغطاً أكبر على الداخل الأردني. أما الثاني، فتنظر إليه "إسرائيل" من زاوية مختلفة، تركز على منع تشكل التهديدات قرب الجولان، ومراقبة القوى المسلحة، واستخدام ملف الأقليات، وخاصة الدروز، كمدخل للتأثير في توازنات الجنوب.
يخلق هذا التباين في المصالح تنافساً واضحاً على تحديد وظيفة الجنوب السوري. فالأردن يرغب في منطقة مضبوطة لا تتحول إلى منصة للتهريب أو الاضطراب، بينما تسعى "إسرائيل" إلى جنوب منزوع القدرة على تهديدها، ومفتوح أمام نفوذها الأمني عند الضرورة. تكمن خطورة هذه المعادلة في أن كل طرف يتحرك من منطلق أمنه القومي، لكن على الأرض نفسها.
في السياق السياسي، كشفت أحداث السويداء أن الجنوب السوري لم يعد كتلة واحدة متماسكة. وبالنسبة للأردن، يضاعف هذا التفكك الخطر، حيث يكتسب التهريب قدرة أكبر على الحركة والتوسع. وعندما تتدخل "إسرائيل" في الجنوب السوري، تحت ذريعة حماية الدروز أو منع التهديدات الأمنية، يصبح المجال القريب من الحدود الأردنية جزءاً من لعبة نفوذ إقليمية أوسع. في هذه الحالة، لا تعود الغارات الأردنية مجرد إجراء دفاعي، بل تتحول إلى محاولة لترسيخ حق عمّان في أن تكون اللاعب الأول في تأمين خاصرتها الشمالية.
مع ذلك، يظل الرد العسكري محدوداً بطبيعته. فالضربة الجوية قادرة على تدمير مستودع أو تعطيل مسار مؤقت، لكنها لا تستطيع تفكيك اقتصاد التهريب بمفردها. وتتوقف فعاليتها على ما يرافقها من اختراق استخباراتي، وتعقب مالي، وضغط سياسي، وتنسيق محسوب مع سلطة دمشق وواشنطن، مع الحرص على عدم ترك المجال لـ"إسرائيل" كي تصبح المرجعية الأمنية الوحيدة في الجنوب.
تُظهر الغارات الأردنية على الجنوب السوري أن عمّان ترى حدودها الشمالية كجبهة متحركة وليست خطاً ثابتاً. كما توضح أن الحدود السورية لم تعد مجرد فراغ أمني، بل أصبحت مساحة تنافس على النفوذ بين الأردن و"إسرائيل"، ولكل منهما تعريف مختلف للاستقرار. يحاول الأردن جعل أمن الجنوب السوري جزءاً مباشراً من أمنه القومي، وتبدو الغارات الأخيرة أقل من حرب وأكثر من إعلان موقف، فالأردن لن يكتفي بمراقبة الخطر وهو يتشكل على خاصرته الشمالية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة