لماذا يتردد السوريون في العودة من ألمانيا؟ أسباب الاستقرار والواقع السوري الصعب


هذا الخبر بعنوان "قلة من السوريين عادوا لبلدهم من ألمانيا.. ما الذي يمنعهم؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُنشر هذه المادة ضمن شراكة إعلامية بين عنب بلدي وDW. منذ الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد في ديسمبر/ كانون الأول 2024، أعرب العديد من السياسيين الألمان عن أملهم في عودة السوريين الذين فروا من الحرب الأهلية إلى وطنهم. وقد دعا سياسيون بارزون، منهم ينس شبان ونائبه أندريا ليندهولز والمتحدث باسم السياسة الداخلية أندرياس توم، إلى اتخاذ إجراءات لتشجيع السوريين المقيمين في ألمانيا على المغادرة. كما كرر المستشار فريدريش ميرتس دعوته لعودة السوريين المقيمين في ألمانيا في مناسبات عدة.
بعد مرور نحو عام ونصف، شهدت سوريا بالفعل عودة أعداد كبيرة من اللاجئين. تُظهر إحصائيات حديثة صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أن 1.63 مليون سوري عادوا إلى وطنهم بحلول نهاية الشهر الماضي. ومع ذلك، فإن أعداد العائدين من ألمانيا تظل منخفضة بشكل ملحوظ. ضمن هذه الأرقام، تُصنف ألمانيا ضمن فئة "دول أخرى"، حيث عاد منها ما يقارب 6100 شخص. ووفقًا للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF)، غادر 3678 لاجئًا سوريًا ألمانيا خلال العام الماضي. في ظل وجود أكثر من 900 ألف سوري يعيشون في ألمانيا، يطرح هذا الوضع تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء قلة الراغبين في العودة إلى سوريا. وتتنوع هذه الأسباب لتشمل الاندماج، والظروف التاريخية، والوضع الراهن على الأرض، بالإضافة إلى الأوضاع في الدول الأخرى.
يكشف تحليل الإحصاءات أن الغالبية العظمى من الـ 1.63 مليون لاجئ سوري عادوا من دول الجوار المباشر. فقد عاد 640 ألفًا من تركيا، و630 ألفًا من لبنان، ونحو 285 ألفًا من الأردن، وهو ما يمثل أكثر من 95% من إجمالي العائدين. هذا يشير إلى عدم تحقق موجة عودة كبيرة من مناطق أخرى. بالإضافة إلى القرب الجغرافي، يساهم الوضع السياسي في الدول المجاورة في تسريع عودة السوريين. ففي لبنان، الوضع محفوف بالمخاطر بسبب الحرب التي تشنها إسرائيل ضد حزب الله والهجمات المتكررة على المدن، فضلاً عن أزمة اقتصادية حادة وفقر مدقع. أما في تركيا، فتشير زينب شاهين منجوتك، الباحثة في شؤون الهجرة بمركز بون الدولي لدراسات النزاعات، في حوارها مع موقع t-online الألماني، إلى عوامل مهمة تدفع السوريين للعودة، منها "ارتفاع التضخم والإيجارات وظروف العمل الاستغلالية". كما أن تركيا تُسهل عودتهم من خلال العلاقات التجارية عبر الحدود، وبرامج الزيارة الخاصة، ونظام التأشيرات المُيسّر.
على النقيض من ذلك، تفتقر ألمانيا إلى العوامل المحفزة لعودة السوريين إلى وطنهم. تؤكد شاهين منجوتك أن "وضع السوريين أكثر استقرارًا هناك، وثقتهم بالبلد المضيف أكبر، وأملهم في الاستقرار ومستقبل آمن أقوى بكثير". وتستشهد الخبيرة بحالات سابقة لما بعد النزاعات، مثل العراق وكوسوفو، حيث لم يعد اللاجئون بأعداد كبيرة إلا في حال تطبيق إجراءات صارمة للغاية. يعيش العديد من السوريين في ألمانيا منذ أكثر من عشر سنوات، وقد أسسوا لأنفسهم حياة مستقرة. لذلك، تظل الرغبة في العودة قوية خلال السنوات الثلاث الأولى، لكنها تتضاءل تدريجيًا مع مرور الوقت، كما توضح شاهين منجوتك. كما يندمج الأطفال في بيئة اجتماعية مستقرة هناك. وتضيف شاهين منجوتك أن العائدين غالبًا ما يعتمدون على مدخراتهم أو تحويلاتهم المالية من الخارج لتغطية نفقاتهم، وهو "وضع غير مستدام".
على الرغم من تعزيز النظام لسلطته ووجود تعهدات دولية عديدة بالمساعدات، إلا أن الوضع على أرض الواقع في سوريا لا يزال صعبًا. فالوضع الأمني غير مستقر، والظروف الاجتماعية والاقتصادية غير ثابتة. تؤكد شاهين منجوتك أنه بالرغم من غياب التهديد المباشر الذي كان قائمًا العام الماضي، حين اشتبك مقاتلون بدو مع جماعات درزية في جنوب البلاد، مما أسفر عن مقتل أكثر من ألف شخص قبل تدخل القوات الحكومية، إلا أن وجود الجماعات المسلحة وعمليات الخطف والاشتباكات المتكررة بين مختلف الجماعات العرقية لا يزال مستمرًا. ويشكل جزء كبير من السوريين في ألمانيا أقليات دينية وإثنية، مثل المسيحيين والأكراد، ويظل الوضع محفوفًا بالمخاطر بشكل خاص بالنسبة لهذه الفئات.
وفقًا لشاهين منجوتك، تفتقر سوريا إلى "القدرات المؤسسية والاقتصادية والبنية التحتية" الضرورية لاستيعاب عودة أعداد كبيرة من السوريين. وتشدد الخبيرة على ضرورة توفير فرص العمل والاحتياجات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والطاقة والمياه، وهو ما لا يزال بعيد المنال في العديد من المناطق. وتستنتج الخبيرة أن "الحكومة والمجتمع السوري غير مستعدين لاستقبال أعداد كبيرة من العائدين". وتوضح شاهين منجوتك أنه على الرغم من عودة 1.63 مليون شخص بالفعل، إلا أن هذا العدد أقل من المتوقع، خاصة بالنظر إلى مرور 17 شهرًا على تغيير النظام ووجود 6.2 مليون لاجئ سوري. كما أنها لا تتوقع حدوث موجة عودة كبيرة في المستقبل المنظور.
تشجع الحكومة الألمانية على العودة، وقد أكد المستشار ميرتس بعد اجتماعه مع الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع أنهما ناقشا حصة عودة بنسبة 80%. كما ترى الحكومة الألمانية أن أسباب الحماية للعديد من اللاجئين السوريين قد زالت مع انتهاء الحرب الأهلية، مما يسمح للمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين (BAMF) بمراجعة أوضاع الأفراد. ومع ذلك، لا يتم ذلك إلا في حالات ارتكاب مخالفات مثل رحلات العودة غير المصرح بها أو الجرائم الجنائية. ونقلت صحيفة "فيلت أم زونتاغ" عن المكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين تأكيده على ضرورة أن يكون "التغيير في الوضع في بلد المنشأ جوهريًا، وليس مؤقتًا فحسب، بل دائمًا" لإجراءات إلغاء التأشيرة. في المقابل، شددت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على الطبيعة الطوعية للعودة. وقالت المتحدثة باسم المفوضية، يوجين بيون، لوكالة الأنباء الألمانية (د ب أ) في جنيف، إن أي عودة يجب أن تستند إلى قرار اللاجئين أنفسهم، داعية إلى الصبر حتى يتحسن الوضع على أرض الواقع وتصبح "العودة الطوعية والآمنة والكريمة والمستدامة" ممكنة.
سياسة
منوعات
سياسة
سياسة