استمرارية الوهم الإسرائيلي في لبنان: تحليل نقدي لمقاربة يوسي بن آري


هذا الخبر بعنوان "لا تغيير في مقاربة إسرائيل حول لبنان خلال 70 عاماً!" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ يوسي بن آري، أحد المحلّلين البارزين الذين تنشر لهم صحيفة «هآرتس» مقالات بحثية وتقديرية، شخصية محورية في فهم المقاربة الإسرائيلية للصراعات. يستند بن آري، العميد الاحتياط في جيش العدو، إلى خلفيته العسكرية الطويلة وعمله في أجهزة استخبارات مثل «أمان» و«الموساد»، مما يمنح كتاباته ثقلاً خاصاً. وقد اشتهر في السنوات الأخيرة بمقارباته النقدية اللاذعة لاستراتيجية قيادة العدو في إدارة المواجهات، ولم يتردد في توجيه انتقادات حادة للخطط العسكرية والسياسية لحكومة العدو في مواجهة قوى المقاومة.
استخدم بن آري استعارات لافتة للسخرية من السياسات التي تضحي بالجنود والموارد دون رؤية سياسية واضحة، مثل فكرة «الوهم» و«صناعة العجّة». فقد شبّه الاستمرار في الحرب دون أفق سياسي بـ«مطاردة الوهم»، مستعيراً قصة شعبية عن رجل ادّعى اكتشاف طريقة صنع «عجّة الملوك» من «الهواء والبهارات والنوايا الحسنة فقط»، ليجمع الأموال ثم يكتشف الناس زيف ادعائه. هذه الاستعارة كانت تهدف إلى فضح السياسات التي تكسر البيض (تضحي بالجنود والموارد) دون تحقيق العجّة المرجوة (النتائج السياسية).
المفارقة تكمن في أن بن آري نفسه يقدم الآن نصاً حول تصوره للحل في لبنان، يظهره غارقاً في الوهم ذاته الذي انتقده. مناقشة هذا النص ليست مجرد سجال عابر، بل لأن ما كتبه سبق أن ورد في أوراق بحثية وعسكرية عُرضت على حكومة العدو، وتداولها موفدون غربيون وعرب في إطار البحث عن تسويات للصراع مع إسرائيل.
في مقالة نشرتها صحيفة «هآرتس»، يقرأ بن آري الوضع في لبنان معتبراً أنه «رغم وقف إطلاق النار، الذي لا يشبه في الواقع وقف إطلاق النار، فإن لبنان لا يزال يدفع أثماناً باهظة، ويُقتل المزيد من الجنود الإسرائيليين ويصاب آخرون». ويذكّر بأن القتال في لبنان، بصيغته المتكررة منذ عام 1978، لم يؤدِّ إلى تحقيق تسوية وهدوء دائمَيْن، على غرار ما حدث مع مصر والأردن. ويشير إلى أن جميع العمليات العسكرية، منذ سبعينيات القرن الماضي، مروراً بحرب لبنان الأولى، وعمليتي تصفية الحساب وعناقيد الغضب، وحرب لبنان الثانية، وصولاً إلى عملية سهام الشمال عام 2024، كانت تكراراً للنمط نفسه دون حلّ حقيقي. كما يرى أن فشل إسرائيل الكبير في دعم سعد حداد وخليفته أنطوان لحد في إدارة الحزام الأمني، ومحاولة نقل نموذج المنطقة العازلة من غزة إلى الجنوب اللبناني اليوم، ليست سوى وهمٍ جديد يُسوَّق للجمهور.
حتى هذه النقطة، يبدو بن آري واقعياً في قياسه للوقائع. لكنه سرعان ما يبدأ بتحليل الوضع في لبنان من منطلق أدوات قياس أظهرت تطورات العقود الخمسة الماضية أنها غير علمية ولا صلة لها بالواقع. فهو يصف لبنان بأنه «دولة كانت جوهرة الشرق الأوسط، لكنها تفكّكت منذ الحرب الأهلية، وأصبحت ساحة لتدخلات خارجية من دولٍ مثل سوريا وإيران وإسرائيل، فضلاً عن منظمة التحرير الفلسطينية وحزب الله، ولا تملك القدرة على النهوض بنفسها». ويقترح أن لبنان «يحتاج إلى خطة مارشال دولية شاملة، بقيادة الولايات المتحدة، وإطلاق برنامج يمتد ما بين خمسة وعشرة أعوام لمعالجة جميع أزماته».
عند هذه النقطة، يعود بن آري إلى أدوات التحليل والتقدير التي خبرها طوال عقود عمله في الاستخبارات، مما يعكس ثبات الخلل في منهجية التفكير التي تتّسم بها عقول أصحاب القرار في إسرائيل. هذا الخلل نابع من قناعة لديهم بأن الخرائط يجب أن تُرسم وفق ما يرونه مناسباً لهم. ولذلك، يورد بن آري مقترحاته للحل وفق الآتي:
هذه الأفكار التي طرحها بن آري ليست جديدة، فقد سبق أن أوردها باحثون كبار في معهد الأمن القومي للعدو، وكرّرها إعلاميون في مقالات إسرائيلية. والمثير أن النقاط نفسها أُثيرت في المناقشات الجانبية وغير الرسمية بين موفدين دوليين وعرب وبين مسؤولين وقوى سياسية في لبنان، وصولاً إلى المقترح الذي قدّمه الموفد الأميركي توم برّاك، والقائم على ضرورة خلق واقع اقتصادي – اجتماعي جديد في جنوب لبنان للوصول إلى ما أسماه «عدم حاجة السكان إلى وجود حزب الله».
المشكلة في كل ما يُعرض ليست في كونه مجرّد تمرين نظري لم تنجح حروب إسرائيل في تحقيق أيّ من شروطه، بل في تعامل معدّيه مع أهل بلادنا كمجموعات يمكن التحكّم ليس بحاضرها ومستقبلها فحسب، بل يمكن إعادة كتابة تاريخ مختلف لها. يبدو أن العدو الذي اعتمد سردية «الوكلاء» في مواجهة قوى المقاومة صدّق كذبته، خصوصاً عندما يدعو إلى طرد المقاومين أو ترحيلهم، كما يفعل في قسم من فلسطين وكما يريد أن يفعل الآن في غزة ولبنان. وتكمن المشكلة الأكبر في وجود لبنانيين وفلسطينيين باتوا يصدّقون هذه السردية، وصاروا يتحدّثون ليس عن التقسيم والفدرالية، بل عن أن من يقاتل إسرائيل وأميركا لا يمكن أن يكون من أهل هذه الأرض، وبالتالي يجب تحييده بالإبعاد إن لم ينفع القتل.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة