إعادة التخيّل المتبادل في سوريا: ركيزة لبناء سلم أهلي مستدام


هذا الخبر بعنوان "إعادة التخيّل المتبادل في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد سوريا في مرحلتها الراهنة تحولات عميقة تتجاوز نطاق الانتقال السياسي وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، حيث يبرز مسار موازٍ أكثر تعقيدًا يتمثل في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي وأنماط إدراك الذات والآخر. لقد خلّفت سنوات الصراع انقسامات لم تقتصر على المجال السياسي فحسب، بل امتدت إلى البنى الاجتماعية والذاكرة الجمعية. هذا الواقع جعل استعادة التماسك المجتمعي مرتبطة بقدرة السوريين على إعادة تعريف علاقتهم ببعضهم بعضًا خارج إطار التسويات الرسمية.
انطلاقًا من هذا السياق، يقدم المقال مفهوم إعادة التخيّل المتبادل كمدخل لفهم الكيفية التي يعيد من خلالها السوريون تشكيل تمثلاتهم المتبادلة بعد سنوات من الاستقطاب الحاد. فالحرب أفرزت منظومات من السرديات المتعارضة التي أعادت تعريف الهوية والانتماء، وأسهمت في إنتاج صور نمطية متبادلة عمقت الانقسام في تفاصيل الحياة اليومية. ومع التحولات الراهنة، التي تتجلى في ممارسات ذات طابع وطني وحقوقي، واتساع التجارب العابرة للمناطق، إلى جانب تبدل أولويات الفاعلين الاجتماعيين، تبرز ملامح مسار تدريجي يعيد صياغة هذه الصور ضمن أطر أكثر واقعية وأقل حدة.
لم يظهر مفهوم “إعادة التخيّل المتبادل” كمصطلح مستقل في الأدبيات العربية، غير أنّ جذوره المعرفية حاضرة بوضوح في أعمال عدد من المفكرين العرب الذين تناولوا علاقة الهوية بالسلطة، ودور السرديات في تشكيل الوعي الجمعي. في هذا السياق، يقدم برهان غليون تحليلًا معمّقًا لكيفية تشكّل “الآخر” في السياق العربي، موضحًا أنّ الصراع السياسي غالبًا ما يتحوّل إلى صراع على المعنى والتمثيل، وأنّ الجماعات تعيد إنتاج صور متبادلة تُستخدم لتبرير مواقفها. يُسهم هذا الطرح في تفسير الكيفية التي تبلورت بها الصور النمطية المتبادلة في الحالة السورية، بوصفها نتاجًا لتفاعل الخطاب السياسي مع التجربة الميدانية.
بالإضافة إلى ذلك، يرى عزمي بشارة أنّ المجتمعات المنقسمة تعيش حالة من “تعدّد المخيالات السياسية”، وأنّ تجاوز الانقسام يتطلب إعادة بناء سردية وطنية مشتركة تُعيد تعريف الانتماء والشرعية. يتقاطع هذا التصور مع فكرة إعادة التخيّل المتبادل بوصفها عملية اجتماعية تعيد من خلالها الجماعات النظر في تمثّلاتها المتبادلة، ضمن أفق إعادة تركيب المعنى المشترك. في ضوء ذلك، أنتجت سنوات الحرب منظومة واسعة من الصور النمطية، وذلك بفعل تداخل الانقسامات السياسية والجغرافية والعسكرية، والتي أسهم في تكريسها كلّ من الإعلام والخطاب السياسي.
أفضت هذه الانقسامات بدورها إلى انقسام حاد بين مناطق السيطرة وبناء سرديات متعارضة حول الوطنية والشرعية والضحايا والمسؤولية. ومع مرور الوقت، تراكمت ذاكرة جمعية مجزأة، تغذّيها مشاعر الخوف والتهديد وتُعيد إنتاج الانقسام في الحياة اليومية، بحيث أصبح الاختلاف لا يُدار بوصفه تنوعًا، وإنما يُعاد تأطيره ضمن ثنائيات متقابلة تعمّق المسافة بين الجماعات. وعلى الرغم من رسوخ هذه الانقسامات، شهدت البيئة الوطنية السورية مؤخرًا زحزحة في هذه القناعات النمطية، حيث بدأت هذه الصور بالتراجع تدريجيًا نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل المتداخلة.
من جهة، أسهمت بعض الإجراءات السياسية والمؤسسية، بما في ذلك “المرسوم 13” الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع، في خلق مؤشرات أولية على إعادة ضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع. ومن جهة أخرى، ساهمت الممارسات الحقوقية التي انتهجتها الحكومة السورية في معالجة بعض الملفات الحساسة، ولا سيما في قضية الساحل السوري، إلى جانب المحاكمات العلنية التي جرت في حلب، في إعادة إدخال مفاهيم المساءلة إلى المجال العام كبديل عن منطق الثأر أو الإقصاء. كما أنّ إجراءات العدالة الانتقالية التي طالت شخصيات بارزة مثل أمجد يوسف وعاطف نجيب قدّمت إشارات قوية إلى إمكانية إعادة تعريف المسؤولية والعدالة ضمن إطار وطني جامع، مما كسر احتكار السرديات الفئوية لمفهوم المظلومية.
إلى جانب ذلك، لعبت عوامل اجتماعية أوسع دورًا لا يقل أهمية، وفي مقدمتها الإنهاك المجتمعي الناتج عن طول أمد الصراع، وتراجع حدّة الخطاب التعبوي أمام ضغوط الواقع المعيشي. وقد أدى اتساع نطاق الهجرة، وظهور تجارب فردية عابرة للمناطق، إلى تحريك البنى الذهنية باتجاه إعادة صياغة أكثر واقعية وأقل حدّة للآخر؛ حيث بدأ هذا “الآخر” بإعادة إدراكه ضمن سياق إنساني ومعيشي مشترك عوضًا عن كونه طرفًا في معادلة صراعية لا تقبل القسمة على اثنين.
على الرغم من التحولات الملحوظة في أنماط الإدراك والتفاعل، لا تزال عملية إعادة التخيّل المتبادل تواجه عوائق بنيوية تحدّ من اتساعها واستقرارها. ففي مقدمتها يبرز استمرار حضور الفئات المتضررة من مسار التحرير وتوحيد البلاد، حيث تسهم هذه الفئات في إعادة إنتاج سرديات متعارضة بما يحدّ من إمكانية تشكّل مخيال اجتماعي جامع قادر على استيعاب التحولات الجارية. وفي السياق ذاته، يؤدي ضعف المبادرات المدنية العابرة للمناطق إلى تقليص الفضاءات التي يمكن أن تنتج خطابًا وطنيًا بديلًا، الأمر الذي يترك المجال العام مفتوحًا أمام السرديات المتنافسة دون وجود إطار جامع يعيد تنظيمها.
إضافة إلى ذلك، يشكّل الإرث الإجرامي الكبير الذي خلّفه نظام بشار الأسد، والبطء النسبي في مسارات العدالة الانتقالية، عائقًا مركزيًا أمام إعادة بناء الثقة، حيث تبقى الذاكرة الجمعية مفتوحة دون معالجة كافية، ويظل الماضي حاضرًا بوصفه مصدر توتر دائم لا مادة قابلة لإعادة التفسير. وإلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال أثر الاقتصاد المنهار الذي يعمّق الفوارق بين المناطق ويدفع نحو حلول محلية ضيقة، وإن كان في الوقت ذاته يخلق أشكالًا من الاعتماد المتبادل تفرضها ضرورات العيش.
وانطلاقًا مما سبق، يمكن فهم السلم الأهلي في سوريا بوصفه عملية اجتماعية مركبة تتشكل عبر تفاعل مستويات متعددة ومترابطة. فمن جهة، يتبدى البعد الرمزي في إعادة تعريف الآخر وتفكيك خطاب الكراهية وإنتاج سردية مشتركة تعيد صياغة الانتماء. ومن جهة أخرى، يتجسد البعد التفاعلي في العلاقات اليومية، حيث تسهم الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والمبادرات المدنية في إعادة بناء الثقة بصورة تدريجية. أما على المستوى البنيوي، فيرتبط الأمر بإصلاح المؤسسات وإطلاق مسارات العدالة وإعادة توزيع الموارد بما يعزز الاستقرار ويحد من أسباب الانقسام. ونتيجة لذلك، لا يظهر السلم الأهلي كنتيجة مباشرة لاتفاق سياسي أو تسوية رسمية، وإنما كمحصلة تراكمية لتفاعلات اجتماعية ممتدة تتجاوز الفضاء الرسمي لتشمل الحياة اليومية للسوريين.
في هذا السياق، تتجلّى عملية إعادة التخيّل المتبادل في مسارات متداخلة تبدأ بتحوّل الخطاب الاجتماعي، لتحلّ محلها لغة أكثر براغماتية تركّز على المشترك الإنساني والمعيشي، وهو ما يعكس استعدادًا ضمنيًا لإعادة النظر في الصور المتبادلة، خصوصًا مع تراجع قدرة الفلول ومقاتلي PKK ذوي النزعات الانفصالية على التحكم في إنتاج السرديات. وفي موازاة ذلك، تسهم التجارب المدنية الجديدة في إعادة تشكيل أنماط التفاعل، حيث أفضت الهجرة ووسائل التواصل الاجتماعي والتواصل الاقتصادي غير الرسمي إلى خلق فضاءات جديدة يلتقي فيها السوريون خارج منطق الانقسام، الأمر الذي يتيح إعادة بناء الثقة انطلاقًا من التجربة المباشرة لا من الخطاب السياسي المجرد.
وضمن هذا التحول، تتجه قطاعات واسعة من السوريين، مقارنة بالسنة الأولى من التحرير، نحو إعادة تعريف الآخر السوري بوصفه شريكًا في المعاناة لا خصمًا سياسيًا، وهو تحول يحمل دلالات كبيرة لأنه يؤسس لإمكانية نشوء مخيال اجتماعي جديد قائم على الاعتراف المتبادل، ويشكل في الوقت ذاته أحد الشروط الأساسية لإنتاج سلم أهلي مستدام. يقدم مفهوم “إعادة التخيّل المتبادل” قراءة مغايرة للسلم الأهلي، تضع التحولات الذهنية كشرط أساسي لضمان استدامة أي تسوية سياسية.
فالسلم في هذا السياق يتجاوز كونه حالة مفروضة بترتيبات رسمية، ليكون عملية اجتماعية صاعدة تتشكل تدريجيًا من رحم المجتمع، وتتغذى من تقاطع الخبرة اليومية مع صناعة المعنى المشترك. وتبرز هنا ضرورة بناء الثقة عبر التفاعلات المباشرة، وإنتاج سرديات تتجه نحو المستقبل عوضًا عن الارتهان للماضي، مع تمكين فاعلين جدد يسهمون في إعادة تشكيل المجال العام على أسس شمولية تحترم التعدد. إن مستقبل الاستقرار السوري مرتبط بقدرة السوريين على إعادة تعريف ذواتهم وعلاقاتهم وإنتاج قيم جديدة للعيش تتخطى ثنائيات الصراع، وتكشف القراءة أعلاه أن هذا المسار بدأ فعليًا في التشكّل من خلال تبدل الخطاب والتمثّلات، مما يجعل إعادة بناء الصور المتبادلة ركيزة تأسيسية لأي مشروع وطني جامع ومدخلًا ضروريًا لإعادة تركيب الاجتماع السياسي على قواعد تضمن التماسك والاستقرار.
سوريا محلي
اقتصاد
سياسة
سوريا محلي