العدالة الانتقالية في سوريا: استلهام الدروس من رواندا وجنوب أفريقيا نحو نموذج هجين يمنع تكرار المأساة


هذا الخبر بعنوان "*بين رواندا وجنوب أفريقيا… أيُّ عدالةٍ تحتملها سوريا؟*" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٩ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يرى المهندس نضال رشيد بكور أن التحدي الأكبر الذي يواجه الدول الخارجة من ويلات الحروب لا يقتصر على الدمار المادي فحسب، بل يمتد ليشمل أسئلة جوهرية تظهر بعد توقف القتال: كيف يمكن إرساء السلام دون طمس الحقائق؟ وكيف يمكن تحقيق العدالة دون فتح أبواب انتقام لا نهاية لها؟ في سياق مفهوم العدالة الانتقالية، يستعرض الكاتب تجربتين عالميتين بارزتين: تجربة رواندا وتجربة جنوب أفريقيا، وهما تجربتان نشأتا من رحم الصراع الدموي، لكن كل واحدة منهما سلكت مساراً مختلفاً نحو المستقبل.
في رواندا، وبعد الإبادة الجماعية التي وقعت عام 1994، تبنت الدولة نموذجاً يقوم على الحسم الصارم وإعادة فرض هيبة الدولة بسرعة فائقة. تضمن ذلك محاكمات واسعة النطاق وإنشاء محاكم شعبية محلية، إلى جانب حظر أي خطاب من شأنه إعادة إنتاج الانقسام العرقي. وقد تزامن ذلك مع بناء سلطة مركزية قوية، آمنت بأن الاستقرار يمثل الأولوية القصوى وأن منع عودة الفوضى أهم من الانخراط في جدالات سياسية مطولة. نجحت رواندا في تحقيق الاستقرار وإعادة بناء الدولة وتحقيق تنمية اقتصادية ملحوظة، إلا أنها دفعت ثمناً تمثل في مركزية شديدة، ومساحة سياسية ضيقة نسبياً، وخوف دائم من عودة الانقسامات القديمة.
على النقيض تماماً، اختارت جنوب أفريقيا مساراً مختلفاً بعد انتهاء نظام الفصل العنصري. فبدلاً من تبني سياسة تقوم على مبدأ الغالب والمغلوب، تم تأسيس لجنة الحقيقة والمصالحة، بقيادة المطران ديزموند توتو وبرعاية الرئيس نيلسون مانديلا. لم ترتكز الفكرة هناك على الانتقام، بل على كشف الحقيقة أمام المجتمع، والاعتراف العلني بالجرائم، والاستماع إلى الضحايا، ومحاولة بناء وطن يستطيع الجميع العيش فيه دون أن يتحول المستقبل إلى استمرار للحرب بأشكال جديدة. هذا النموذج نجح في منع انفجار جنوب أفريقيا في حرب أهلية، لكنه أيضاً ترك شعوراً لدى بعض الضحايا بأن الحقيقة لم تترافق دائماً مع عدالة كافية.
أما بالنسبة لسوريا، فيعتقد الكاتب أنها لا تحتمل استنساخ أي تجربة بشكل كامل. فهي ليست رواندا وليست جنوب أفريقيا، بل تمثل حالة أكثر تعقيداً وتشابكاً، نظراً لطول أمد الحرب، وتعدد الأطراف الفاعلة، والتدخلات الخارجية، والانقسامات الاجتماعية العميقة، وحجم الألم المتراكم لدى السوريين جميعاً. لذلك، يرى أن الأنسب لسوريا قد يكون نموذجاً هجيناً يجمع بين حزم الدولة في منع الفوضى والسلاح والانفلات، وبين المصارحة المجتمعية وكشف الحقيقة ومنع الانتقام الجماعي. فالعدالة الانتقالية ليست مجرد محاكم أو عفو، بل هي عملية دقيقة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين الناس أنفسهم. ويحذر الكاتب من أن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تحول العدالة إلى ثأر جماعي، أو تحول التسامح إلى تجاهل كامل لحقوق الضحايا. فالبلدان لا تنهار فقط بسبب الظلم، بل قد تنهار أيضاً عندما يُدار الألم بلا حكمة. ويختتم الكاتب بالقول إن سوريا اليوم تحتاج إلى عدالة تمنع تكرار المأساة، لا إلى عدالة تعيد إنتاجها بصيغ جديدة. (موقع: أخبار سوريا الوطن)
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة