الغارات الأردنية في سوريا: جدل السيادة والتنسيق الصامت لمواجهة تهريب المخدرات


هذا الخبر بعنوان "“الردع الأردني” في سوريا.. من الحدود إلى العمق" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
أعادت الغارات الجوية التي نفذها الأردن على مواقع في محافظة السويداء السورية طرح تساؤلات واسعة حول الإطار القانوني والسياسي لمثل هذه العمليات العسكرية، خاصة في ظل غياب أي إعلان رسمي من الجانب السوري يؤكد وجود تنسيق أمني بين الطرفين. هذه الضربات، التي أُطلق عليها اسم "عملية الردع الأردني" بهدف مكافحة تهريب المخدرات والسلاح، تضع الملف في منطقة حساسة تتقاطع فيها اعتبارات أمن الحدود مع مبادئ السيادة الوطنية، ما يفتح الباب أمام قراءات متعددة حول مشروعيتها ودلالاتها.
يرى خبراء أن أي عمل عسكري يُنفذ عبر الحدود يتطلب، من حيث المبدأ، أحد مسارين: إما موافقة الدولة المعنية، أو الاستناد إلى حق الدفاع عن النفس وفق المادة "51" من ميثاق الأمم المتحدة. في الحالة الأردنية، لا يوجد إعلان سوري رسمي يؤكد وجود تنسيق، مما يجعل تبرير الضربات أقرب إلى مقاربة الدفاع الوقائي، خصوصًا مع تصاعد عمليات تهريب "الكبتاجون" عبر الحدود. ومع ذلك، يبقى هذا التبرير محل جدل، إذ إن توسيع مفهوم الدفاع عن النفس ليشمل ضربات داخل أراضي دولة أخرى دون إعلان واضح أو تفويض دولي، قد يفتح الباب أمام سوابق إقليمية مشابهة.
على الرغم من غياب التصريحات الرسمية، لا يستبعد مراقبون وجود قنوات تنسيق أمنية غير معلنة بين عمّان ودمشق، خاصة في الملفات الحساسة التي لا يُراد لها أن تتحول إلى مادة إعلامية. هذا النمط من التنسيق الصامت ظهر سابقًا في ملفات حدودية وأمنية، حيث يُترك الغموض كأداة لتفادي الإحراج السياسي، خصوصًا في ظل العلاقة المتوترة سابقًا بين الطرفين بعد سقوط النظام السابق. في المقابل، يشير غياب أي رد رسمي سوري على الضربات إلى احتمالين: إما وجود تفاهم ضمني، وإما عجز عن ضبط الحدود الجنوبية، ما يدفع الأردن للتحرك بشكل منفرد.
لا تقتصر دلالات الضربات على بعدها الأمني فحسب، بل تحمل رسائل سياسية متعددة. أولاها موجهة إلى الداخل الأردني، في إطار إظهار الحزم في مواجهة تهديد المخدرات. أما الرسالة الثانية فتتعلق بالضغط على شبكات التهريب، التي يُتهم بعضها بالارتباط بجهات داخل سوريا. كما تعكس الضربات تحولًا في قواعد الاشتباك، من الاكتفاء بالملاحقة الحدودية إلى استهداف العمق الجغرافي داخل سوريا، ما يشير إلى تغير في الاستراتيجية الأردنية تجاه هذا الملف.
اعتبر المحلل السياسي أحمد القاسم أن الضربات الأردنية الأخيرة في محافظة السويداء جاءت في إطار تنسيق أمني "على مستوى جيد" بين عمّان ودمشق، وليست خرقًا للسيادة السورية. وقال القاسم، في حديث إلى عنب بلدي، إن الضربات استهدفت، وفق تقديره، ما تبقى من مخلّفات النظام السابق المرتبطة بتجارة المخدرات، مضيفًا أنها كانت انتقائية وموضوعية، ونُفذت بناء على أهداف وصفها بـ"الواضحة والدقيقة"، اقتصرت على أشخاص ومواقع مرتبطة بهذه التجارة. وأشار إلى أن دقة الأهداف التي تعرضت للقصف تعكس وجود مستوى عالٍ من التنسيق الأمني بين الجانبين السوري والأردني، معتبرًا أن المعلومات التي استندت إليها العملية لم تكن عشوائية، بل استهدفت أشخاصًا مرتبطين بشبكات تهريب المخدرات. ورجح القاسم أن تسهم هذه الضربات في تحسين العلاقات بين الأردن وسوريا، معتبرًا أن الحد من نشاط شبكات التهريب قد ينعكس على تخفيف القيود الأمنية ويفتح المجال أمام تسهيل حركة البضائع والنقل التجاري.
من جانبه، قال المحلل السياسي الأردني صلاح ملكاوي، إن توصيف الضربات الأردنية داخل الأراضي السورية من منظور القانون الدولي يحتاج إلى تفكيك على عدة مستويات. وأضاف ملكاوي، في حديث إلى عنب بلدي، أنه من حيث المبدأ، فإن أي ضربة عسكرية تنفذها دولة داخل أراضي دولة أخرى تعد انتهاكًا للسيادة وفق ميثاق الأمم المتحدة، إلا في حال توفر استثناءات واضحة، من بينها حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة "51". وأشار إلى أن الأردن برر عمليته الأخيرة بأنها استهدفت شبكات تهريب مخدرات وسلاح، مؤكدًا أن هذه الشبكات تشكل تهديدًا مباشرًا لأمنه القومي، وأن العملية بنيت على معلومات استخبارية دقيقة. واعتبر ملكاوي أن تهريب المخدرات، في حال ارتباطه بميليشيات مسلحة، يمكن توصيفه قانونيًا كتهديد عابر للحدود يندرج ضمن التهديدات غير التقليدية التي قد تستدعي تفعيل حق الدفاع عن النفس، وهذا الربط يعزز الموقف الأردني قانونيًا.
حول احتمال وجود موافقة سورية، سواء معلنة أو ضمنية، يرى ملكاوي أن هناك "مؤشرات واضحة" على تنسيق أمني بين الجانبين، مستندًا إلى توقيع اتفاقيات رسمية سابقة لتشكيل لجان أمنية مشتركة لمكافحة التهريب، إضافة إلى تصريحات صدرت عن مسؤولين في البلدين حول وحدة التهديدات الأمنية، من بينهم وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، ونظيره السوري، أسعد الشيباني. كما أشار إلى وجود تقارير تحدثت عن تفاهمات إقليمية لتبادل المعلومات حول ملف المخدرات، باعتباره تهديدًا عابرًا للحدود، لافتًا إلى أن غياب أي تصعيد دبلوماسي أو رد عسكري سوري على الضربات يعد مؤشرًا إضافيًا على وجود نوع من التنسيق، ولو كان غير معلن. ويعزز انخفاض مستوى التغطية الإعلامية الرسمية في البلدين بشأن العملية، مقابل استمرار التصريحات حول ملفات أخرى، فرضية التنسيق الصامت أو التغاضي المتبادل، لتجنب الإحراج السياسي.
وفيما يتعلق بالتحول في الاستراتيجية الأردنية، قال ملكاوي إن الأردن انتقل من حالة الدفاع الحدودي إلى الردع الاستباقي داخل العمق السوري، نتيجة مجموعة من العوامل، أبرزها تصاعد تهديد تهريب "الكبتاجون" و"الحشيش"، وعدم كفاية الإجراءات الحدودية في الحد من هذه العمليات. وأوضح أن بيانات الجيش الأردني في الأسابيع الأخيرة تحدثت عن إسقاط بالونات محملة بمواد مخدرة قادمة من مناطق مختلفة، بينها محافظة السويداء ومناطق حدودية مع محافظات ريف دمشق وحمص، في ظل تنسيق بين المهربين لإرباك حرس الحدود. وأشار إلى أن هذا التطور في أساليب التهريب، إلى جانب اتساع المناطق التي تنطلق منها هذه العمليات، دفع الأردن إلى اعتماد سياسة "الردع الاستباقي"، بحيث لم يعد ينتظر وصول التهديد إلى حدوده، بل بات يستهدف مصادره مباشرة. ويرى ملكاوي أن الضربات تحمل أيضًا رسالة سياسية مفادها أن الأردن يريد فرض قواعد اشتباك جديدة، تقوم على ضرب مصادر التهديد بدل الاكتفاء بالتصدي لها على الحدود.
وفي تعليقه على ردود الفعل داخل السويداء، اعتبر ملكاوي أن العملية تكشف عن حالة فراغ أمني، مشيرًا إلى أن استمرار عمليات التهريب عبر الطائرات المسيّرة والبالونات، وعدم القدرة على ضبطها، يعكس ضعف السيطرة المحلية. وأضاف أن إنهاء حالة الفراغ يتطلب استعادة السيطرة الأمنية الرسمية كجزء من معالجة ظاهرة التهريب.
في المحصلة، تبقى الضربات الأردنية في جنوبي سوريا مثالًا على التعقيد الذي يحيط بملف المخدرات في المنطقة، حيث تختلط الاعتبارات الأمنية بالسياسية والقانونية. وبينما يبررها الأردن بحماية حدوده، تظل مسألة شرعيتها مرتبطة بطبيعة التنسيق مع دمشق.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة