دمشق تحت وطأة أزمة مواقف خانقة: رسوم باهظة، فوضى عارمة، واستغلال يرهق السكان والتجار


هذا الخبر بعنوان "أزمة مواقف خانقة بدمشق.. رسوم مرتفعة وفوضى واستغلال" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يمكن اعتبار أزمة مواقف السيارات في العاصمة دمشق من أبرز التحديات اليومية التي تواجه سكانها وأصحاب المحال التجارية على حد سواء. ففي ظل الازدحام المروري المتزايد وغياب الحلول التنظيمية الكافية، انعكس هذا الواقع سلبًا على حياة المواطنين وتكاليف تنقلهم. وقد رصدت "عنب بلدي" آراء عدد من أصحاب المحال في مناطق متفرقة من العاصمة، حيث شرحوا معاناتهم مع نقص المواقف وارتفاع رسومها، إضافة إلى انتشار ممارسات غير منظمة تزيد من تعقيد المشهد المروري داخل المدينة.
تحت عنوان "أماكن قليلة وانتظار طويل"، تحدث ناصر قنوز زركزلي، المقيم في شارع بغداد وصاحب محل تجاري، عن أن مشكلة المواقف أصبحت تشكل عبئًا كبيرًا على أصحاب السيارات. وأوضح أن هذا العبء يتفاقم في ظل الارتفاع الملحوظ في عدد المركبات مقابل النقص الحاد في المواقف والمرائب المخصصة. وأضاف قنوز زركزلي أنه يضطر أحيانًا إلى البحث لمدة تتراوح بين 30 و45 دقيقة للعثور على مكان لركن سيارته، مما يدفعه في كثير من الحالات إلى ركنها بشكل مزدوج وترك رقم هاتفه على الزجاج تحسبًا لأي طارئ. ووفقًا لناصر، تتفاقم المشكلة في شارع بغداد تحديدًا نتيجة إشغال المواقف من قبل موظفين وتجار من مناطق مجاورة مثل سوق الحميدية والحريقة.
وفي سياق متصل، أكد أسامة الأيوبي، صاحب أحد المحال التجارية في منطقة الجسر الأبيض، أن تكلفة ركن السيارات باتت تشكل عبئًا ماديًا يفوق القدرة على التحمل، وهو ما أيّده ناصر قنوز زركزلي، المقيم في شارع بغداد وصاحب محل تجاري. وذكر أسامة أنه يضطر لدفع مبالغ تتراوح بين 25 و30 ألف ليرة سورية يوميًا مقابل ركن سيارته، أي ما يعادل تقريبًا 900 ألف ليرة سورية شهريًا. بينما أشار ناصر إلى أن تكلفة الساعة الواحدة تبلغ 2000 ليرة سورية، معتبرًا أنها مرتفعة جدًا في حال الاضطرار للركن لفترات طويلة. وعلى الرغم من وجود شركات استثمارية تدير بعض المواقف في العاصمة، لفت أسامة إلى أن المنطقة التي يعمل بها تتبع للمحافظة مباشرة ولا تخضع لنظام المواقف المستثمرة، ومع ذلك تظل التكلفة مرتفعة وغير مبررة. ووصف هذه المبالغ بأنها استنزاف مالي كبير للمواطن في ظل الظروف الراهنة.
تشهد شوارع العاصمة اختناقًا مروريًا حادًا، مما يضطر السائقين لركن سياراتهم بشكل مزدوج، وهو ما يعرضهم للمخالفات المرورية المستمرة وحجز مركباتهم، وفقًا لـ "أبو محمد"، صاحب محل تجاري في منطقة الحمراء. واشتكى "أبو محمد" من انتشار مجموعات من الأشخاص الذين يستغلون مساحات عامة في مناطق مثل الحمراء والشعلان، ويدّعون تقديم خدمة "الفاليه" دون أي تبعية لجهات حكومية. وأوضح أن هؤلاء يفرضون مبالغ تتراوح بين 10,000 و15,000 ليرة سورية مقابل ركن السيارة. وأشار "أبو محمد" إلى أن هذه المجموعات تعمل بالتنسيق مع بعض المنشآت المحيطة، حيث يحصلون على أجور محدودة مقابل السماح لهم بتحصيل مبالغ إضافية من المواطنين، إلى جانب حجز مساحات واسعة من الشوارع العامة بشكل عشوائي. ولا تقتصر المشكلة على المناطق التجارية فقط، بل تمتد إلى الأحياء السكنية أيضًا، بحسب "أبو محمد"، حيث تعاني منطقة سكنه في ركن الدين من غياب المواقف المنظمة، ما يضطره أحيانًا لركن سيارته في الطريق العام والتعرض للمخالفات أو سحب المركبة بشكل متكرر. وقال إن البحث عن موقف بات يستغرق وقتًا طويلًا، مما يدفعهم لاستخدام سيارات الأجرة (التكاسي) لتجنب هذه المعاناة، أو الاضطرار للقدوم إلى وجهاتهم في أوقات مبكرة جدًا لضمان الحصول على مساحة للركن قبل بدء الازدحام.
من جانبه، قال أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة "حماة" عبد الرحمن محمد، إن أزمة مواقف السيارات في دمشق تُعد عرضًا لخلل اقتصادي وتخطيطي. وأكد عدم وجود أي بيانات رسمية دقيقة ومحدثة يمكن الوثوق بها بشكل كامل، مرجحًا أن الأسباب تعود إلى عدة عوامل، منها: عدم قيام أي جهة بإجراء مسح ميداني شامل لحصر المواقف النظامية (على جانبي الطرق، والساحات العامة، والمواقف الخاصة) والمواقف العشوائية التي يشغلها المواطنون. كما أن جزءًا كبيرًا من عملية الاصطفاف يُدار بواسطة عمال مواقف غير مرخصين في الغالب، وهؤلاء لا يقدمون أي بيانات، ويقع نشاطهم بالكامل ضمن الاقتصاد غير الرسمي. وأشار محمد أيضًا إلى التغير الديموغرافي والعمراني بسبب موجات النزوح والتهجير التي شهدتها دمشق وريفها، والتي قلبت المعادلة السكانية.
وأكد محمد كذلك عدم وجود شركات خاصة كبيرة تستثمر في إدارة وتشغيل مواقف السيارات بالمعنى الاستثماري والتنموي المتعارف عليه عالميًا. وأوضح أن الموجود فعليًا هو نظام المقاولات أو الاستثمار البسيط الذي تمنحه محافظة دمشق لأفراد أو شركات صغيرة لإدارة مواقف محددة ومسيّجة على بعض الأراضي، مثل بعض مواقف منطقة باب توما، أو ساحة المرجة سابقًا. وبيّن أن هذه العقود هي عقود حق انتفاع مقابل مبلغ مقطوع للمحافظة، ولا تتضمن استثمارات رأسمالية حقيقية في تطوير الموقع أو بناء بنية تحتية متعددة الطوابق. فالمحافظة تُدخل المستثمر في سعر الخدمة، لكن دون أن يتحمل الأخير أي مخاطر أو تكاليف إنشائية كبيرة، مما يجعل الربح سريعًا على حساب الجودة والتطوير.
وفيما يخص الأسباب الجوهرية للأزمة، أوضح محمد أن سوء التسعير هو السبب الرئيسي، فمواقف الشوارع العامة تُعتبر موردًا نادرًا وقيمته عالية، لكن سعرها يقترب من الصفر في كثير من الأحيان، أو يُسعّر بأجرة رمزية لا تعكس قيمته السوقية الحقيقية. كما تحدث عن مشكلة سوء التوزيع، مشيرًا إلى أنه لا توجد منظومة ذكية توجه السائقين إلى المواقف المتاحة، مما يخلق اختناقات موضعية. وتطرق محمد أيضًا إلى النقص الفيزيائي الحاد في عدد المواقف مقارنة بحجم الطلب، خاصة في المناطق المركزية الحيوية.
أعلنت محافظة دمشق، في 6 من أيار الحالي، عن فرص استثمارية بنظام استدراج العروض لإنشاء مواقف طابقية تحت الأرض مخصصة لركن السيارات، وذلك بحديقة الأمويين المركزية بسعة 2000 سيارة. وفي هذا السياق، أوضح أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة "حماة" عبد الرحمن محمد، أن إنشاء موقف طابقي في دمشق يُعد مشروعًا مرتفع التكلفة. واستعرض محمد نموذجًا مبسطًا لموقف تقليدي بمساحة 3000 متر مربع يتسع لنحو 300 سيارة، مشيرًا إلى أن التكلفة تشمل عناصر متعددة، أبرزها سعر الأرض الذي يُعد الأعلى، إضافة إلى مواد البناء التي تُسعَّر وفق السوق الموازي للدولار، فضلًا عن تجهيزات الطاقة البديلة من مولدات وأنظمة طاقة شمسية نتيجة الانقطاع المتكرر للكهرباء. وبناءً على ذلك، قد تصل التكلفة الإجمالية إلى عدة ملايين من الدولارات.
وقال محمد إن العائد المتوقع من هذه المشاريع ضعيف جدًا. ففي حال اعتماد تسعيرة قدرها 5000 ليرة سورية لساعة الاصطفاف، وافتراض تشغيل الموقف بشكل يومي ولمدة عشر ساعات، فإن الدخل اليومي الإجمالي لـ300 سيارة لا يتجاوز 15 مليون ليرة سورية. وبحساب العائد على الاستثمار، يتبين أنه حتى مع افتراض استثمار يقارب خمسة ملايين دولار وهامش ربح يصل إلى 50%، فإن صافي الدخل السنوي يبقى أقل من 1% من رأس المال، مما يعني أن فترة استرداد التكلفة قد تتجاوز 100 عام. وبالتالي، فإن المشروع يُعد غير مجدٍ اقتصاديًا في ظل التسعيرات الحالية والقدرة الشرائية المحدودة للمواطن. ووفقًا لذلك، نوه محمد إلى أن المواقف الطابقية هي حل ضروري لكنه مكلف، ويجب أن يتم وفق نموذج الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، بشفافية مطلقة.
أوضح محمد أن التسعير هو أقوى أداة لتغيير السلوك. فاعتبر أن التحول الجذري من التسعيرة المقطوعة أو الموحدة إلى نظام تسعير ديناميكي ذكي، يُدار إلكترونيًا ويستجيب للطلب (الزمان والمكان)، هو التدخل الأكثر فعالية والأقل تكلفة، وهذا النظام وحده قادر على حل 30-40% من مشكلة الازدحام الظاهري. كما أكد أن التسعيرة الحالية، من منظور اقتصادي بحت، ليست عادلة ولا مناسبة. واقترح محمد حلولًا ممكنة تكمن في:
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي