جمعية حماية المستهلك في سوريا: تضييق حكومي يعيق دورنا الرقابي ويفاقم أزمات الأسواق وسلامة الغذاء


هذا الخبر بعنوان "“حماية المستهلك” تشتكي تعطيل دورها الرقابي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد سوريا تصاعدًا في التحذيرات المتعلقة بواقع الأسواق وسلامة الغذاء، وذلك في ظل تزايد شكاوى المواطنين من تذبذب الأسعار وضعف الرقابة وانتشار منتجات غذائية مشكوك في جودتها ومطابقتها للمواصفات الصحية. في خضم هذه التطورات، عادت جمعية حماية المستهلك إلى واجهة النقاش العام، حيث وجهت سلسلة من الانتقادات لآليات اتخاذ القرار الاقتصادي والرقابي، مؤكدة أن المستهلك السوري أصبح الحلقة الأضعف بسبب غياب التشاركية والرقابة الفعالة.
تتواتر خلال الأشهر الماضية أخبار عن خلافات بين الجمعية وبعض الجهات الرسمية، خاصة بعد أزمة إخلاء مقر الجمعية في دمشق، وما تبعها من اتهامات بالتضييق على عملها وتعطيل دورها الرقابي. وصرح مسؤولون في الجمعية لـ عنب بلدي بأن غياب الدعم الحكومي وعدم إشراكها في اللجان الاقتصادية والرقابية قد حدّ من قدرتها على متابعة الأسواق والتدخل لحماية المواطنين، على الرغم من أن عملها تطوعي ويعتمد على جهود أعضائها الذاتية.
في المقابل، توسعت تحذيرات مسؤولي الجمعية لتشمل ملفات أكثر حساسية تتعلق بسلامة الغذاء، بدءًا من الألبان والأجبان والزيوت المهدرجة، وصولًا إلى واقع الدواجن واللحوم والخضراوات المروية بمياه الصرف الصحي. وترى الجمعية أن غياب التنسيق بين الجهات الرسمية والرقابية قد أدى إلى تفاقم المخاطر الصحية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انعكاسات هذه الممارسات على صحة المواطنين، وخاصة الأطفال وكبار السن.
ينظم قانون حماية المستهلك رقم "8" لعام 2021 في سوريا آليات الرقابة على الأسواق وجودة السلع والمواد الغذائية، ويتضمن عقوبات تتعلق بالغش وبيع المواد مجهولة المصدر والتلاعب بالأسعار، مع منح جمعيات حماية المستهلك دورًا في تمثيل المستهلكين والتنسيق مع الجهات الرسمية. وللحصول على إجابات حول التساؤلات المتعلقة بالجمعية وحالات الغش ومخالفات المواصفات القياسية للسلع، حاولت عنب بلدي مرارًا التواصل مع المكتب الإعلامي المركزي في وزارة الاقتصاد والصناعة، سواء بالاتصال أو عبر المنصات، لكنها لم تتلقَ أي رد حتى تاريخ نشر التقرير.
اقتحام مقر "حماية المستهلك" ومصادرة تجهيزاتها
أفاد أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، لـ عنب بلدي، بأن الجمعية تعرضت لما وصفه بـ"التضييق المباشر" بعد إخلاء مقرها في دمشق. وكشف أن عملية مصادرة الأثاث والتجهيزات من مقر الجمعية، بعد أشهر من التحرير، تمت بطريقة "الكسر والخلع" لقفل الجمعية، رغم أن المبنى يخضع لحراسة مشددة ويُمنع الدخول والخروج منه إلا بإذن رسمي.
وأوضح حبزة أن الجمعية فوجئت بإفراغ المقر من الأثاث والتجهيزات دون علم مجلس الإدارة، مؤكدًا أن هذه الممتلكات ليست حكومية بل تعود ملكيتها لأعضاء الجمعية الذين قاموا بتجهيز المقر على نفقتهم الذاتية خلال أكثر من 30 عامًا من العمل. وأشار إلى أن مقر الجمعية شهد "يوم التحرير" سرقة جزء من تجهيزاتها ووثائقها الأساسية، بما في ذلك الموافقات الرسمية التي تثبت شرعية وجود الجمعية في المقر، إضافة إلى وثائق صادرة عن وزراء ومسؤولي "السورية للتجارة" تؤكد أحقية الجمعية باستخدامه.
واختارت الجمعية عدم التصعيد مع "السورية للتجارة" رغم ما جرى، بحسب حبزة، واكتفت بمراسلة الجهات الحكومية المعنية. ولفت إلى أن مدير "السورية للتجارة" كان قد وعد بتأمين مقر بديل في مجمع الأمويين، قبل أن يتراجع عن وعوده ويرفض استقبال ممثلي الجمعية، رغم وجود وثائق تؤكد التفاهمات السابقة.
أزمة المقر تنعكس على مراقبة الأسواق
قال أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، إن الجمعية حصلت على مقرها قبل أكثر من 30 عامًا كنوع من الاستضافة من وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، وقد قام أعضاء الجمعية بتجهيزه وتأثيثه بالكامل على نفقتهم الخاصة، ليصبح مركزًا رئيسًا لتلقي شكاوى المواطنين ومتابعة قضايا الأسواق. وأضاف أن فرع "السورية للتجارة" في دمشق طلب بشكل مفاجئ إخلاء المقر خلال ثلاثة أيام فقط، دون توفير بديل مناسب، رغم الوعود المتكررة التي قُدمت للجمعية من عدة جهات رسمية.
وخاطبت الجمعية الاتحاد العربي لحماية المستهلك، الذي راسل بدوره رئيس حكومة دمشق المؤقتة، محمد البشير، لتأمين مقر بديل وسيارة خدمة على نفقة الحكومة. كما تمت مخاطبة رئاسة الجمهورية ومحافظة دمشق، إلا أن الملف لا يزال دون حل حتى الآن، بحسب أمين سر الجمعية. وتعمل الجمعية حاليًا عبر "مكاتب متنقلة"، في حين توقفت خطوط شكاوى المواطنين وأجهزة "الفاكس" عن العمل بسبب الظروف الحالية. وأشار حبزة إلى أن ما وصفه بـ"تشريد أكثر من 500 عضو في الجمعية"، انعكس بشكل مباشر على مراقبة الأسواق ومتابعة واقع الأسعار.
انتقادات للقرارات وتهميش دور الجمعية
تعد جمعية حماية المستهلك جزءًا من المجتمع الأهلي، وتشكل حماية المستهلك واجبًا أساسيًا عليها باعتبار أن عملها تطوعي، ويهدف للدفاع عن المواطنين في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وتذبذب الأسعار في الأسواق السورية. وأوضح حبزة أن نجاح الجمعية في أداء دورها يتطلب وجود دعم حكومي حقيقي، مشيرًا إلى أن الجمعية لا يتم إشراكها بشكل فعلي في اللجان الحكومية المتعلقة بالتسعير والاستيراد والتصدير، رغم المطالبات المتكررة.
وأضاف أن بعض الوزارات، مثل وزارة الزراعة، طلبت مؤخرًا مشاركة الجمعية "على خجل" في عدد محدود من اللجان، إلا أن القرارات الأساسية المتعلقة بالمستهلك لا تزال تُتخذ بعيدًا عنها، وهو ما اعتبره خللًا في آلية صنع القرار الاقتصادي والرقابي. وانتقد حبزة قرار منع استيراد بعض الخضراوات والفواكه والفروج واللحوم والبيض، معتبرًا أنه "غير منصف" لأنه اعتمد على مواد ليست في موسم إنتاجها أساسًا، مضيفًا أن منع استيراد سلع ستنضج بعد أشهر "يُعد نوعًا من التنجيم وليس نتيجة دراسة حقيقية لواقع السوق والإنتاج".
قرارات الاستيراد والتصدير تشجع على التهريب
أكد حبزة أن قرارات الاستيراد والتصدير، سواء المتعلقة بالمنع أو السماح، تُتخذ "بشكل مكتبي وعلى نطاق ضيق"، دون مشاركة ممثلي المستهلكين أو شرائح أوسع من المعنيين بالشأن الاقتصادي. وكانت الجمعية تأمل بأن يتم تطبيق قرارات منع الاستيراد بشكل تدريجي وعلى دفعات، وليس دفعة واحدة. وقال حبزة إن الجمعية طالبت بإضافة بند في كل قرار استيراد أو تصدير يسمح بتعديله وفق المتغيرات والمستجدات التي قد تطرأ على الأسواق. وأضاف أن تذبذب الأسعار بات مرهقًا للمواطنين والجمعية معًا، خاصة في ظل الاعتماد غير المستقر على سعر الصرف في تحديد أسعار السلع، لافتًا إلى أن بعض التجار يسعّرون المواد وفق أسعار صرف أعلى من السعر الحقيقي للدولار كنوع من الاحتياط. كما تحدث عن ارتفاع تكاليف الإنتاج المحلي مقارنة بالمنتجات المستوردة، معتبرًا أن هذا الواقع يشجع عمليات التهريب، ويضعف قدرة المنتج المحلي على المنافسة.
تحذيرات بشأن الدجاج والألبان والزيوت
من جانبه، قال نائب رئيس مجلس إدارة جمعية حماية المستهلك، ماهر الأزعط، إن قيام إدارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك الحكومية بتغيير اسم الجمعية إلى "جمعية حماية المستهلك وسلامة الغذاء" بقي "عنوانًا بلا مضمون"، معتبرًا أن أكبر ملفات الفساد في سوريا ترتبط مباشرة بقوت المواطنين. وعدد الأزعط مخالفات في المواصفات، منها:
وأشار نائب رئيس مجلس الإدارة إلى أن غياب الرقابة على العديد من معامل الألبان والأجبان العشوائية، ينذر بانتشار الأوبئة والأمراض، خاصة مع استمرار ري بعض الخضراوات بمياه الصرف الصحي دون حملات توعية كافية للمواطنين. وانتقد وزارتي الإعلام والتربية لعدم تخصيص منصات توعوية وغياب ثقافة العمل التطوعي والرقابي لدى الطلاب.
"منعنا من كشف الحقائق"
قال الأزعط إن أعضاء الجمعية كانوا يتعرضون في ظل النظام السابق للاستجواب والتحقيق ومنعهم من كشف الحقائق المتعلقة بالأسواق والمواد الغذائية، مضيفًا أن المرحلة الحالية يفترض أن تكون فرصة لطرح الحقائق بحرية والدفاع عن المواطنين. وأضاف أن جميع أعضاء الجمعية يعملون بشكل تطوعي وينفقون من أموالهم الخاصة على نشاطاتها، معتبرًا أن المفارقة تكمن في أن إدارة حماية المستهلك وسلامة الغذاء كانت "العدو الأول" للجمعية بدلًا من أن تكون شريكًا لها. وفي عام 2025، تمت إعادة هيكلة مديرية حماية المستهلك ضمن وزارة الاقتصاد والصناعة، وأصبح ملف "حماية المستهلك" جزءًا من جهاز الدولة الرقابي أكثر من كونه نشاطًا مدنيًا مستقلًا، ما يعكس توجهًا حكوميًا لتقليص هامش العمل المستقل للجمعية.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي