الخبرة تهيمن على الكرة السورية: أزمة غياب المواهب الشابة وتحديات التطوير


هذا الخبر بعنوان "الكرة السورية تحت أقدام لاعبين كبار في السن" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في وقت تسعى فيه كرة القدم السورية جاهدة لإعادة إحياء النجومية عبر جيل جديد من اللاعبين، تبرز صورة مغايرة تمامًا على أرض الواقع. فالدوري السوري لهذا الموسم يشهد هيمنة واضحة للاعبين أصحاب الخبرة والأعمار المتقدمة نسبيًا، بينما يتراجع حضور المواهب الشابة القادرة على إحداث الفارق.
تُظهر قائمة اللاعبين الأكثر تأثيرًا في المسابقة هذا الموسم واقعًا لافتًا، حيث يتصدرها مهاجم أهلي حلب، أحمد الأحمد (عليش)، البالغ من العمر 30 عامًا. يليه صانع ألعاب الوحدة، مؤمن ناجي (29 عامًا)، وقائد الوسط المخضرم أسامة أومري (34 عامًا). هذا المشهد لا يقتصر على اللاعبين المحليين فحسب، بل يمتد ليشمل المحترفين الأجانب، مثل الفلسطيني إسلام البطران، نجم الكرامة (31 عامًا)، والكاميروني إيمانويل ماهوب (31 عامًا)، هدّاف الدوري وأحد أبرز نجوم الموسم الحالي، في ظل غياب لافت للاعبين صغار السن عن واجهة التألق والمنافسة.
هذا الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول أسباب تراجع المواهب الشابة في كرة القدم السورية، ومدى قدرة الأندية والأكاديميات على إنتاج جيل جديد قادر على فرض نفسه، خاصة مع استمرار الاعتماد على اللاعبين الأكثر خبرة لحسم المنافسة داخل الملاعب.
يرى المحلل الرياضي محمود خوّام أن أزمة تأخر بروز المواهب في كرة القدم السورية لا تعود إلى غياب الموهبة بحد ذاتها، بل إلى طريقة التعامل معها داخل القواعد الرياضية، وهو ما يختلف جذريًا عما يحدث في الأكاديميات الحديثة حول العالم.
وأوضح خوّام، في حديثه إلى عنب بلدي، أن اكتشاف أي موهبة كروية عالميًا يترافق مع برنامج تطويري متكامل للاعب، يبدأ بالاهتمام بالنظام الغذائي والثقافة الرياضية، وصولًا إلى بناء الشخصية النفسية وتعليم اللاعب فهم كرة القدم قبل ممارستها على أرض الملعب. وأشار إلى أن هذا النموذج يُطبق بوضوح في أكاديميات متقدمة مثل أكاديميات "ريد بول" و"برايتون"، حيث يتم إعداد اللاعب ذهنيًا وتكتيكيًا منذ سن مبكرة، حتى أن بعض المواهب الشابة تحصل على شهادات تدريبية في بداية العشرينيات من عمرها.
في المقابل، أكد خوّام أن تطوير المواهب في سوريا لا يزال يعتمد على أساليب عشوائية، معتبرًا أن مجرد وجود لاعب صغير داخل مدرسة كروية وتلقينه بعض الأساسيات لا يعني بالضرورة تطويره بالشكل الصحيح، بل يقتصر غالبًا على بناء سطحي لا يراعي خصوصية كل موهبة وقدراتها الفردية. وأضاف أن اللاعب السوري لا يعاني من نقص في الذكاء أو الإمكانيات، لكن البيئة الرياضية المحيطة به لا تساعده على التطور الحقيقي، إذ يجد نفسه منشغلًا بمحاولة "النجاة" ضمن ظروف غير مستقرة، بدل التركيز الكامل على تطوير مستواه.
كما لفت خوّام إلى أن البنية التحتية تشكل جزءًا أساسيًا من المشكلة، في ظل استمرار التدريب على ملاعب ترابية أو منشآت لا تلبي المعايير المطلوبة لصناعة المواهب، إلى جانب غياب البيئة النفسية والاجتماعية الصحية، مما ينعكس سلبًا على تطور اللاعب وثقته بنفسه.
الفارق بين اللاعب السوري ونظيره الأوروبي يبدأ منذ سنوات الطفولة، حيث يدخل اللاعب في أوروبا الأكاديميات بعمر ست سنوات ضمن منظومة احترافية متكاملة، تجعله يصل إلى سن 14 عامًا وهو يمتلك فهمًا واسعًا للجوانب الفنية والتكتيكية، إلى جانب اعتياده خوض البطولات المحلية والقارية والتعامل مع الضغط الجماهيري منذ وقت مبكر، وفق ما قاله المحلل الرياضي داني شرف لـ عنب بلدي.
في المقابل، أوضح شرف أن اللاعب السوري غالبًا ما يتعلم كرة القدم في الأحياء الشعبية، قبل أن يلتحق بالأندية بعمر متأخر نسبيًا قد يصل إلى 16 عامًا، ما يعني دخوله مراحل التطوير الأساسية في وقت متأخر مقارنة بلاعبي الأكاديميات الحديثة. وأضاف أن اللاعب في سوريا ينتظر غالبًا حتى سن 22 عامًا كي ينال فرصة حقيقية للمشاركة مع الفريق الأول، وهي مرحلة يكون فيها اللاعب الأوروبي قد خاض بالفعل سنوات طويلة من المنافسة الاحترافية على أعلى المستويات.
كما اعتبر شرف أن عقلية العمل داخل الأندية السورية تعد جزءًا من المشكلة، إذ تعتمد معظم الإدارات والمدربين على النتائج السريعة فقط، دون منح الأولوية لتطوير المواهب الشابة. ولفت إلى أن المدربين في الدوري السوري يدركون أن أي سلسلة نتائج سلبية قد تؤدي إلى إقالتهم، كما حدث خلال الموسم الحالي الذي شهد عددًا كبيرًا من الإقالات، مما يدفعهم للاعتماد على اللاعبين أصحاب الخبرة بدل المجازفة بمنح الفرصة للمواهب الصغيرة.
قال الإعلامي الرياضي زياد زين العابدين لـ عنب بلدي، إن بعض المدربين المشرفين على الفئات السنية في الأندية لا يمتلكون خبرات كافية أو متقدمة لتأهيل اللاعب الناشئ بالشكل الصحيح، سواء على مستوى التأسيس الفني أو التطوير التكتيكي والنفسي.
وأضاف زين العابدين أن اختيار هؤلاء المدربين في كثير من الحالات لا يعتمد على الشهادات التدريبية أو التأهيل العلمي، بل يرتبط أكثر بسمعتهم كلاعبين سابقين في الملاعب السورية، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة العمل في الفئات العمرية. وأوضح أن هذه المرحلة تعد الأساس في صناعة اللاعب، وأي خلل فيها يؤدي إلى تأثير مباشر على مستقبل المواهب، مما يؤدي إلى تخريج لاعبين غير جاهزين عند الوصول إلى الفئات الأعلى.
ولفت زين العابدين إلى أن هناك مشكلات داخل بعض الفئات العمرية في الأندية، تتمثل باعتماد بعض المدربين على "الواسطة" أو الرشى من أهالي اللاعبين عند اختيار المواهب، الأمر الذي يؤدي، بحسب قوله، إلى إقصاء لاعبين موهوبين لمصلحة أسماء أخرى لا تمتلك المستوى الفني نفسه. وأشار إلى أن هذه الممارسات لا تؤثر فقط على مستقبل اللاعبين الصغار، بل تنعكس أيضًا على جودة القاعدة الكروية بشكل عام، وتؤدي إلى إضعاف فرص ظهور جيل جديد قادر على المنافسة والتطور داخل الكرة السورية.
تعكس هذه المعطيات أن أزمة الكرة السورية لا ترتبط بغياب المواهب بقدر ما ترتبط بضعف بيئة التطوير وآليات صناعة اللاعب، مما يجعل تجديد الأجيال الكروية تحديًا مستمرًا يحتاج إلى معالجة شاملة داخل المنظومة.
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة