إعادة إعمار سوريا: هل تلهمنا التجربة اليابانية نموذجًا للشراكة والعدالة؟


هذا الخبر بعنوان "هل يمكننا استلهام التجربة اليابانية لإعادة الإعمار؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
غزوان قرنفل يرى أن النقاش حول إعادة الإعمار في سوريا غالبًا ما يقتصر على الجانب المالي، متسائلاً عن الجهة الممولة والتكاليف التقديرية. لكن التجارب التاريخية تؤكد أن هذه المسألة أعمق بكثير من مجرد أرقام؛ فإعادة الإعمار ليست عملية هندسية أو مالية فحسب، بل هي في جوهرها خيار سياسي ورؤية اجتماعية تحدد ملامح المدن، وطبيعة العلاقات داخلها، ومستقبل الاستقرار فيها.
من بين التجارب الجديرة بالتأمل، تبرز التجربة اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية. لا تُقدم هذه التجربة كنموذج يُستنسخ حرفيًا، بل كمنبع إلهام لمقاربات معينة، خاصة في إعادة بناء المناطق السكنية. فاليابان، التي خرجت من الحرب بمدن مدمرة بالكامل وبنية تحتية شبه منهارة، لم تتبنَّ مقاربة مركزية بحتة تقوم على استملاك الدولة لكل شيء وإعادة توزيعه وفق خطط علوية.
بدلاً من ذلك، اتجهت اليابان نحو صيغة أكثر توازنًا تعتمد على الشراكة بين الدولة ومالكي الأراضي وشركات القطاع الخاص. تركزت العملية بشكل أساسي على إعادة إعمار الأحياء السكنية، حيث احتفظ المالكون بحقوقهم في الأرض، لكنهم وافقوا على إعادة تقسيمها وتخطيطها بأسلوب حديث. هذا سمح بفتح طرق أوسع، وتخصيص مساحات للخدمات، وتحسين البنية التحتية. في المقابل، حصل كل مالك على حصة أصغر نسبيًا من الأرض، لكنها كانت ذات قيمة أعلى وأكثر قابلية للاستثمار.
هذه الطريقة مكنت من تمويل جزء كبير من إعادة الإعمار من داخل العملية نفسها، دون الحاجة إلى موارد مالية ضخمة من الدولة. تحمل هذه الفكرة إمكانات مهمة للسياق السوري، خاصة في المناطق السكنية التي تعرضت لدمار واسع. فبدلاً من الدخول في صراعات معقدة حول الملكيات، أو اللجوء إلى استملاكات شاملة قد تثير مخاوف مشروعة، يمكن التفكير في نماذج تعيد تنظيم الملكيات ضمن إطار يحفظ الحقوق ويحقق في الوقت ذاته مصلحة عامة تتمثل في بناء مدن أكثر تنظيمًا وقابلية للحياة.
إن استلهام التجربة اليابانية لا يعني تجاهل الفروق الجوهرية بين الحالتين. فاليابان كانت دولة مستقرة سياسيًا، وتمتلك مؤسسات قوية وثقة عامة مرتفعة، مما سهل قبول الناس لتلك الترتيبات. أما في سوريا، فإن أي مقاربة مشابهة يجب أن تُبنى على أساس من الشفافية والضمانات القانونية الصارمة، لضمان ألا تتحول إلى أداة لنزع الملكيات أو إعادة توزيعها بشكل غير عادل.
لذلك، يجب أن يكون المدخل الأساسي لأي محاولة لاستلهام التجربة اليابانية قانونيًا ومؤسسيًا. يتطلب ذلك وضع إطار قانوني واضح لإعادة التنظيم العقاري، يحدد الحقوق والواجبات بدقة، ويضمن مشاركة حقيقية للمالكين في اتخاذ القرار، ويوفر آليات تعويض عادلة وشفافة. كما يتطلب الأمر وجود قضاء مستقل قادر على الفصل في النزاعات التي قد تنشأ، وهي مسألة لا تقل أهمية عن التمويل نفسه.
إلى جانب ذلك، يمكن للسلطة الجديدة أن تستفيد من عنصر آخر مهم في التجربة اليابانية، وهو تحفيز القطاع الخاص على المشاركة في إعادة الإعمار. فإعادة بناء الأحياء السكنية يمكن أن تتحول إلى فرصة اقتصادية إذا ما أُحسن تنظيمها بما يخلق توازنًا بين الربحية والمصلحة العامة. هنا، لا يأخذ القطاع الخاص دور المقاول المنفذ فحسب، بل يصبح شريكًا استثماريًا يدخل في صلب العملية ويستفيد منها، وفي الوقت نفسه يسهم في تمويلها وتخفيف العبء عن الدولة.
يمكن للقطاع الخاص تطوير جزء من الأراضي المعاد تنظيمها بعد إعادة تخطيط المنطقة وفتح الشوارع وتحسين البنية التحتية، حيث ترتفع قيمة الأرض بشكل كبير. يُخصص جزء من هذه الأراضي (أو من الحقوق الاستثمارية عليها) للقطاع الخاص ليقوم بتطويرها كمشاريع سكنية أو تجارية، وهذا الجزء هو مكسبه الأساسي. أي أنه يمول البنية التحتية مقابل حقوق استثمارية، فبدلاً من أن تتحمل الدولة كلفة الطرق والخدمات بالكامل، يمكن أن يقوم مستثمرون بتمويل هذه الأعمال مقابل حصولهم على حق تطوير عقارات ضمن المنطقة نفسها.
كما يمكن للقطاع الخاص الدخول في شراكات مع المالكين، حيث يتفق مع مالكي الأراضي على تطوير عقاراتهم مقابل حصة من المشروع النهائي (شقق، مكاتب، محال تجارية). هنا يتحول المالك من مجرد متلقٍّ للتعويض إلى شريك، بينما يحصل المستثمر على جزء من العائد دون أن يشتري الأرض بالكامل.
إن إعادة الإعمار في سوريا لن تنجح إذا بقيت رهينة انتظار مساعدات خارجية قد تأتي أو لا تأتي، ولن تنجح إذا فُرضت من الأعلى دون إشراك حقيقي للسكان المتضررين. نحن بحاجة إلى مقاربة تدمج بين الحفاظ على الحقوق الفردية وتحقيق المنفعة العامة، وتحول عملية الإعمار من عبء إلى فرصة. التجربة اليابانية لا تقدم وصفة جاهزة، لكنها تقدم فكرة أساسية هي أن إعادة بناء المدن يمكن أن تتم بالشراكة مع أهلها لا على حسابهم. هذه الفكرة، إذا ما أُخذت بجدية، قد تكون مدخلاً لإعادة إعمار ليس الحجر فقط، بل تعيد أيضًا الثقة بين الدولة والمجتمع. فهل نحن مستعدون لتبني مثل تلك المقاربة التي تحتاج إلى شراكة وشفافية وعدالة في توزيع الأعباء والمكاسب، أم ستكون مسألة إعادة الإعمار فرصة ذهبية لإثراء البعض على حساب سواد الشعب؟
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
سياسة