صناعة الألبسة في عفرين تواجه شبح الإغلاق: صراع البقاء بين ارتفاع التكاليف والجمارك والطاقة


هذا الخبر بعنوان "عفرين: بين الجمارك والطاقة.. صناعة الألبسة تكافح من أجل البقاء" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بدأ عبدو حنان رحلته في صناعة الألبسة بمدينة عفرين قبل سنوات، حيث كان معمله يعجّ بعشرات العمال وآلات الخياطة التي لا تتوقف. اليوم، يجد حنان نفسه وسط ورشة شبه فارغة، بعد أن تقلّص عدد العاملين من نحو 240 عاملًا وعاملة إلى 40 فقط، وهو ما يعكس التحولات القاسية التي ضربت أحد أهم القطاعات الصناعية في شمال سوريا.
يقول حنان، وهو صاحب شركة متخصصة بصناعة الألبسة المعدّة للتصدير، لموقع “سوريا 24” إن الارتفاع المستمر في التكاليف والرسوم الجمركية وأسعار الطاقة، بالإضافة إلى تراجع القدرة الإنتاجية، يهدد بإغلاق المعمل بشكل كامل. ويضيف أن قطاع الألبسة في عفرين “يعيش مرحلة حرجة رغم امتلاكه خبرة طويلة وقدرة تنافسية عالية”.
وفقًا لحنان، فإن الخطوة الأهم لإنقاذ قطاع الصناعة تتمثل في السماح بنظام الإدخال المؤقت للأقمشة والبضائع بغرض التصنيع وإعادة التصدير، على غرار التجربة التركية. ويوضح أن الصناعيين في تركيا يستطيعون إدخال الأقمشة والمواد الأولية من الخارج، ثم إعادة تصديرها بعد تصنيعها خلال مدة زمنية محددة، ما يخفّض الكلفة ويزيد القدرة على المنافسة في الأسواق العالمية.
تتزامن شكاوى الصناعيين في عفرين مع نقاشات حكومية متصاعدة حول مستقبل القطاع الصناعي في سوريا، في ظل محاولات رسمية لإعادة تنشيط الإنتاج المحلي بعد سنوات من التراجع. وخلال الأشهر الماضية، تحدث مسؤولون في وزارة الصناعة والجهات الاقتصادية عن خطط لتخفيف تكاليف الإنتاج ومراجعة بعض الرسوم الجمركية وتقديم تسهيلات للاستيراد والتصدير، معتبرين أن الصناعات النسيجية تُعدّ من أكثر القطاعات القادرة على استعادة النشاط وخلق فرص العمل.
إلا أن الصناعيين في شمال سوريا يؤكدون أن تلك الوعود لم تنعكس بعد على واقع المعامل والورشات، التي لا تزال تواجه ارتفاعًا في تكاليف المواد الأولية والطاقة والنقل، إلى جانب صعوبات تتعلق بالتصدير وتأمين مستلزمات الإنتاج. ورغم التراجع الكبير الذي أصاب قطاع النسيج السوري خلال سنوات الحرب، تشير تقديرات وتقارير اقتصادية حديثة إلى أن صادرات الألبسة السورية سجّلت نموًا طفيفًا خلال عام 2025، بقيمة تراوحت بين 80 و100 مليون يورو خلال النصف الأول من العام، مع استمرار حضور المنتجات السورية في أسواق العراق ولبنان والخليج وبعض دول أوروبا الشرقية.
لكن الصناعيين يؤكدون أن ارتفاع تكاليف الطاقة والجمارك والنقل لا يزال يحدّ من قدرة القطاع على استعادة مكانته التي كان يتمتع بها قبل عام 2011، حين شكّلت الصناعات النسيجية إحدى أبرز ركائز التصدير السوري. ووفقًا لعدد من الصناعيين، فإن الحرب وتراجع البنية التحتية وارتفاع الرسوم الجمركية وارتفاع أسعار الكهرباء والمحروقات وضعف الخدمات الأساسية دفعت القطاع إلى حالة من الانكماش التدريجي.
يقول حنان إن إنتاج أقمشة الجينز داخل سوريا تراجع بشكل كبير، ما أجبر أصحاب المعامل على الاعتماد على الاستيراد من تركيا والصين، مضيفًا أن “تكلفة جمرك طن أقمشة الجينز مع أجور النقل ارتفعت من نحو 60 دولارًا إلى قرابة 750 دولارًا في مناطق ريف حلب”. ويضيف أن الأسواق الصينية أصبحت الوجهة الأساسية للصناعيين بسبب انخفاض أسعار المعدات مقارنة بالدول المجاورة، موضحًا أن سعر ماكينة الخياطة في الصين يبلغ نحو 1500 دولار، بينما يصل في تركيا إلى حوالي 6000 دولار.
ورغم الصعوبات، لا تزال بعض المعامل في عفرين تحافظ على حضورها في الأسواق الخارجية، إذ يلفت حنان إلى أنه يصدّر حاليًا منتجاته إلى العراق وليبيا واليمن ولبنان، مشيرًا إلى أن جودة الصناعة المحلية “تضاهي صناعات العديد من الدول العربية وحتى بعض الدول الأجنبية”.
ولا تقتصر التحديات على أصحاب معامل الألبسة فقط، بل تمتد أيضًا إلى قطاع التطريز، الذي يُعدّ من المهن المرتبطة مباشرة بصناعة الألبسة في المدينة. ويقول بشار عمر، صاحب ورشة تطريز في عفرين، إن ارتفاع الرسوم الجمركية وأسعار الكهرباء أثّر بشكل مباشر على استيراد الماكينات وقطع الغيار والخيوط والمستلزمات الأساسية للعمل. وبحسب عمر، فإن الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي يجبر بعض الورشات على التوقف عن الإنتاج لساعات طويلة يوميًا، في حين يشكل ارتفاع الإيجارات التجارية عبئًا إضافيًا على أصحاب المهن الصغيرة، خاصة مع اضطرار كثير منهم إلى التوجه نحو مدينة حلب لتأمين المواد الأولية بسبب نقصها في أسواق عفرين.
ويطالب الصناعيون والحرفيون بتخفيض الرسوم الجمركية، وتوفير مصادر طاقة مستقرة بأسعار مناسبة، وتسهيل حركة الاستيراد والتصدير، وتحسين خدمات البنية التحتية، معتبرين أن إنقاذ قطاع الألبسة لا يرتبط فقط بحماية مصدر رزق آلاف العائلات، بل أيضًا بالحفاظ على واحدة من أبرز الصناعات التي اشتهرت بها المنطقة لعقود.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد