حي تشرين بدمشق: معاناة العائدين بين الدمار الشامل وأزمة الملكيات العقارية


هذا الخبر بعنوان "دمشق: حي تشرين المنكوب بين ركام المنازل وملفات الملكية المعقدة" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد سنوات من التهجير القسري الذي أعقب مجزرة عام 2012 والعمليات العسكرية العنيفة التي تلتها، بدأت مئات العائلات بالعودة تدريجياً إلى حي تشرين الدمشقي، سعياً لاستعادة ما تبقى من حياتها وذكرياتها. لكن العائدين واجهوا واقعاً أشد قسوة من مجرد حي مدمر؛ فالمنازل مهدمة، والخدمات شبه معدومة، وملفات الملكية معقدة لدرجة تهدد آلاف السكان بفقدان بيوتهم بشكل دائم. ووفقاً لتقديرات لجنة حي تشرين، يقطن الحي حالياً ما بين 15 و17 ألف نسمة، يتوزعون على نحو 100 عقار كانت في معظمها أراضٍ زراعية تحولت إلى كتل سكنية خلال السنوات الماضية. ومع ذلك، يواجه أكثر من نصف السكان، أي ما يزيد عن 7 آلاف شخص، خطر فقدان ملكياتهم بسبب ما يصفه الأهالي بـ "الاستلاب العقاري المنهجي"، بينما تعيش عائلات أخرى في غرف غير مكتملة، أو أبنية متصدعة، أو حتى خيام مؤقتة وسط الأنقاض.
صرح مصدر من لجنة حي تشرين لـ سوريا 24 بأن نسبة الدمار في الحي تتراوح بين 70 و85 بالمئة، مشيراً إلى أن حوالي 6 آلاف منزل تعرض للهدم الكلي أو الجزئي. الأدهى من ذلك هو فقدان قرابة نصف هذه المنازل لملكياتها عبر عمليات بيع متكررة ووثائق تم تنظيمها في غياب أصحاب العقارات الأصليين. ووفقاً للمصدر ذاته، فإن غالبية عمليات الشراء التي تمت بين عامي 2005 و2011 اعتمدت على "وكالات عدل غير قابلة للعزل" دون تثبيت نهائي في السجل العقاري. هذا الوضع مهد الطريق لاحقاً أمام ورثة المالكين الأصليين أو سماسرة مرتبطين بهم لإعادة بيع العقارات نفسها خلال فترة تهجير السكان بين عامي 2018 و2022، لتنتقل الملكيات بذلك إلى تجار وسماسرة وشخصيات نافذة، قبل أن تتعرض أبنية بأكملها للهدم وبيع حديدها كخردة لمعامل الصهر.
ويوضح آدم الشامي، أحد سكان حي تشرين، أن الحي شهد أربع مجازر خلال السنوات الأولى من الثورة السورية، ترافقت مع عمليات حرق واسعة لمنازل المدنيين، خصوصاً في مناطق شارع التهريب وسوق الخياطين، مما أدى إلى دمار هائل ونزوح جماعي للسكان. ويضيف الشامي أن العديد من العائلات عادت اليوم لتجد منازلها مهدمة أو متضررة بشكل بالغ، بينما لا تزال آثار الحرائق والدمار بادية في أجزاء واسعة من الحي. ويلفت الشامي إلى أن حي تشرين كان يشتهر بوجود اثنين من أبرز الأسواق الشعبية في أطراف دمشق؛ أولهما سوق الأدوات الكهربائية الذي كان وجهة رئيسية لمعظم أهالي دمشق وريفها نظراً لأسعاره المنافسة وتنوع بضائعه في ظل تراجع جودة الصناعة المحلية وارتفاع أسعارها. وثانيهما سوق الخياطين الذي كان يشكل مركزاً مهماً للمهن اليدوية، وكان غالبية العاملين فيه من السوريين الكرد، قبل أن تتعرض هذه الأسواق للتدمير والتوقف التام خلال سنوات الحرب.
يؤكد سلطان رحمة، وهو ناشط إعلامي من سكان الحي، لـ سوريا 24 أن "الإيجارات في الحي تشهد ارتفاعاً كبيراً مقارنة بواقع المنطقة، وذلك رغم الدمار الواسع وانهيار البنية التحتية". وتفيد لجنة الحي بأن إيجار شقة صغيرة شبه مرممة يتراوح بين 200 و350 دولاراً شهرياً، مع اشتراط دفع إيجار عام كامل مقدماً بالدولار الأميركي. ويشير السكان إلى أن العديد من المالكين يفرضون هذه الشروط لتمويل ترميم منازلهم، دون تقديم أي ضمانات للمستأجرين بخصوص تجديد العقود أو استقرار السكن. ويرى غالبية السكان أن هذه القضية تجاوزت الخلافات العقارية المعتادة، لتصبح أزمة تهدد وجودهم وحقهم في العودة والاستقرار. وقد دفع هذا الواقع بعض العائلات إلى خيارات قاسية، مثل السكن داخل مستودعات أو محال مهجورة، أو الاكتفاء بترميم أجزاء بسيطة من أبنية مهددة بالسقوط، بل وتحولت خزانات بلاستيكية كبيرة في بعض الحالات إلى غرف سكنية مؤقتة.
لا تزال الخدمات الأساسية في حي تشرين شبه غائبة، مما يحول الحياة اليومية للسكان إلى "معركة مستمرة" بحسب وصف الأهالي. فشبكات الصرف الصحي المتهالكة تتسبب بشكل متكرر في اختلاط مياه الشرب بالمجاري، وقد سجلت حالات تسمم خلال العامين الماضيين. وفي نيسان/أبريل 2026، شهدت بعض الحارات طفحاً للمياه السوداء داخل المنازل. أما الكهرباء، فتعاني من انقطاعات طويلة رغم الوعود المتكررة بتركيب محولات جديدة ورفع استطاعة بعضها، ويعتمد الكثير من السكان على حلول مؤقتة وشبكات بدائية. كما أدى احتراق مقسم القابون في آذار/مارس 2026 إلى انقطاع خدمات الهاتف والإنترنت عن الحي لأسابيع، بالتزامن مع تراكم القمامة والأنقاض في الشوارع نتيجة ضعف خدمات النظافة.
في ظل غياب الدعم الحكومي الكافي، برزت لجنة حي تشرين كجهة أهلية تطوعية تتولى متابعة شؤون السكان وتحاول التنسيق مع الجهات الرسمية والمنظمات الإنسانية. وتفيد اللجنة بأنها تمكنت خلال الأشهر الماضية من توثيق أوضاع آلاف السكان والعقارات المتضررة، بالإضافة إلى الضغط لتحسين واقع الكهرباء وتأمين بعض صناديق التوزيع. كما تنسق اللجنة مع فرق الدفاع المدني والهلال الأحمر لتنفيذ أعمال إزالة الركام وتقديم جلسات دعم نفسي. وتتابع اللجنة أيضاً ملفات الملكيات والبيوع المزدوجة أمام الجهات المعنية، إلا أن أعضاءها يؤكدون أن ضعف الإمكانيات وتعقيد الإجراءات الرسمية يعرقلان الوصول إلى حلول جذرية.
تزايدت مخاوف الأهالي بعد اجتماعات عقدتها محافظة دمشق مع لجان أحياء مجاورة لمناقشة مشاريع إعادة الإعمار، والتي تضمنت مقترحات تعتمد على الاستثمار عبر شركات خاصة مقابل حصول تلك الشركات على نسب من المساحات المبنية. ويخشى سكان حي تشرين أن تؤدي هذه المشاريع إلى خسارة جزء كبير من ممتلكاتهم، خاصة وأن غالبية عقارات الحي تعتمد على "طابو زراعي" أو وكالات غير مثبتة رسمياً، مما قد يضعهم في موقف أضعف مقارنة بأصحاب الملكيات النظامية. ويقول محمد سيف، أحد أهالي الحي، إنهم يخشون أن تتحول إعادة الإعمار إلى مسار جديد يفضي إلى إقصائهم عن الحي بعد سنوات من التهجير والدمار.
لطالما عُرف حي تشرين بتنوعه الاجتماعي، حيث استقر فيه سكان قدموا من مناطق سورية مختلفة، منها القلمون وإدلب وحماة وحلب ودمشق. لكن الحرب غيرت ملامحه بالكامل، بعد تعرضه لعمليات عسكرية واسعة تبعها نزوح جماعي ودمار هائل. واليوم، يسعى العائدون إلى الحي لمواجهة ثلاث معارك متوازية: إعادة ترميم منازلهم، واستعادة حقوقهم العقارية، والحفاظ على وجودهم في منطقة يخشون أن تتغير هويتها مع مشاريع التنظيم والاستثمار المرتقبة.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي