“وماذا بعد الحصار؟”: كتاب هدية محمود الكردي يوثق الوجع السوري وذاكرة الصمود والحياة


هذا الخبر بعنوان "“وماذا بعد الحصار؟”… هدية محمود الكردي تكتب الوجع السوري بوصفه ذاكرةً للمقاومة والحياة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دمشق-سانا: في إصدارها الأخير عن دار الفكر، تقدم الكاتبة والباحثة السورية هدية محمود الكردي كتابها الموسوم بـ "وماذا بعد الحصار؟"، والذي يمثل شهادة أدبية وإنسانية عميقة تتجاوز مجرد التوثيق المباشر. يتجلى العمل كمرآة تعكس سنوات القمع الذي مارسه النظام البائد بحق الشعب السوري، وما حملته تلك الفترة من ألم وصمود وتحولات نفسية واجتماعية جذرية.
الكتاب، الصادر في جزأين عن دار الفكر عام 2026، لا يكتفي بسرد الوقائع أو تسجيل تفاصيل الحصار الخانق الذي طال الغوطة الشرقية، بل يتعمق في مساءلة معنى النجاة والكرامة، ويستكشف الأثر الذي تتركه الكوارث في الذاكرة الفردية والجمعية. يستند العمل إلى تجربة معيشية ولغة وجدانية تسعى لالتقاط ما تعجز عنه الأرقام والصور العابرة.
يفتتح الجزء الأول، الممتد على نحو 520 صفحة، أبوابه على الحياة اليومية تحت الحصار، حيث يتحول الخوف والجوع والقصف إلى تفاصيل اعتيادية في حياة السوريين. أما الجزء الثاني، الذي يقع في قرابة 480 صفحة، فيستكمل رسم ملامح الصمود الإنساني وسط الخراب، من خلال السؤال المحوري الذي يحمله العنوان: "وماذا بعد الحصار؟".
توضح الكردي في مقدمة عملها أن كتابها ليس رواية للحصار بقدر ما هو محاولة للإصغاء إلى أصوات الناس الذين عاشوا المأساة، وخاصة الأطفال والنساء وكبار السن، ممن واجهوا الموت اليومي وتمسكوا في الوقت ذاته بالأمل والحياة. وتكتب في أحد نصوصها: "سأروي بعضاً من قصص شعب هبّ وانتفض ونادى: حرية، لكنه جوبه بالنار والحديد والرصاص"، بلغة تمزج بين الغضب والأسى والإيمان بقدرة الإنسان على تجاوز المحنة.
يخصص الكتاب مساحة واسعة لما تسميه الكاتبة "أطفال الحصار"، حيث ترصد التحولات القاسية التي أصابت الطفولة السورية تحت وطأة الحرب. تستعيد الكردي قصصاً موجعة، منها حكاية الطفلة "سمر" التي مزقها القصف، إضافة إلى الطفلين اللذين غيّرا اسميهما من "براءة وملهم" إلى "شرارة وعلقم"، في صورة تختصر كيف دفعت الحرب الأطفال إلى مغادرة براءتهم مبكراً. كما يتحول خبز الغوطة والزيتون في نصوص الكتاب إلى رمز للصمود في مواجهة الجوع، بينما تكشف نصوص أخرى مثل "أنا المديون" عن الانكسار الإنساني لمعيلٍ يعجز عن تأمين الطعام لأسرته أو الدواء لوالدته.
في مقابل مشاهد الفقد، تبرز الكاتبة صورة المرأة السورية بوصفها مركز الثبات داخل العائلة والمجتمع، حيث تظهر الأم والزوجة والابنة باعتبارهن حارسات للحياة اليومية رغم الخراب. وتتجلى قيم التكافل الاجتماعي في مواقف إنسانية عديدة، منها إصرار عروس على زيارة أهل خطيبها الشهيد برفقة زوجها الحالي، في مشهد يختصر معنى الوفاء والسمو الإنساني.
على المستوى الفكري، يتجاوز الكتاب التوثيق إلى محاولة فهم التحولات التي تصيب المجتمعات الخارجة من الأزمات الكبرى، وكيف تعيد المحن تشكيل الهوية والوعي ومسار المستقبل. كما يوجه الكتاب نقداً واضحاً لسلطة النظام البائد المسؤولة عن الدمار، فيما تطلق الكردي دعوات متكررة إلى استعادة دور الإنسان والمعرفة في إعادة بناء المجتمع. وترتبط التجربة السورية في الجزء الثاني من الكتاب بالقضية الفلسطينية وصولاً إلى غزة، في تأكيد على وحدة الألم الإنساني.
يرى الباحث وحيد تاجا أن أهمية هذا العمل تكمن في كونه خزانة ذاكرة تحفظ للأجيال القادمة تفاصيل إنسانية لم تنقلها نشرات الأخبار. وقال تاجا في تصريح لـ سانا الثقافية: إن الكردي استطاعت أن تحول الوجع الشخصي إلى قضية إنسانية عامة، عبر لغة أدبية تمزج بين الحزن العميق والأمل الصلب، مضيفاً أن الكتاب ليس مجرد سرد للألم، بل قصيدة حب للأرض ورسالة تؤكد أن الشعوب لا تموت ما دامت تمتلك الذاكرة والإرادة.
تُعرف هدية محمود الكردي باهتمامها بقضايا الهوية الثقافية والأدب السوري الحديث، حيث قدمت دراسات وأبحاثاً تناولت الأدب النسوي والتحولات الفكرية والاجتماعية في سوريا والعالم العربي. كما شاركت في ندوات ومؤتمرات ثقافية ناقشت دور المرأة في الإبداع العربي، وسعت من خلال كتاباتها إلى الربط بين المعرفة الأكاديمية والواقع الاجتماعي، انطلاقاً من رؤية تعتبر الثقافة أداة لفهم الإنسان والدفاع عن ذاكرته وهويته.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة