السويداء في قبضة العنف: تصاعد الفوضى الأمنية وتعدد أنماط الجرائم يهدد حياة المدنيين


هذا الخبر بعنوان "العنف في السويداء يتصاعد.. أنماط متعددة وخطر دائم" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٥ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة السويداء تصاعدًا مقلقًا في حالة الانفلات الأمني وحوادث القتل خلال الفترة الأخيرة، حيث سُجلت وقائع قتل متعددة في مناطق مختلفة من المحافظة. تنوعت هذه الحوادث بين إطلاق نار مباشر، وجرائم جنائية ناجمة عن خلافات شخصية، بالإضافة إلى حالات مرتبطة بمحاولات سرقة أو عمليات تصفية حسابات. هذا التصاعد لم يقتصر على زيادة أعداد الضحايا، بل أوجد حالة عامة من القلق والخوف بين الأهالي، الذين باتوا يشعرون بغياب الأمن، وأن أي تفصيل في حياتهم اليومية قد يتحول إلى حادثة عنف، مما جعل تجنب الخلافات خيارًا اضطراريًا خشية تطورها إلى استخدام السلاح.
إن حالة عدم الاستقرار الأمني هذه ليست وليدة اللحظة، ولم تكن نتيجة مباشرة لأحداث تموز الماضي فقط، بل هي امتداد لتراكمات سابقة لم تُعالج، حتى أصبحت حالة يصعب احتواؤها. وتُعزى أسبابها إلى الانتشار غير المنضبط للسلاح، وضعف سيطرة القانون، وتعدد المجموعات والعصابات المحلية المسلحة، إضافة إلى عوامل اجتماعية وأسرية. في هذا التقرير، رصدت عنب بلدي أبرز حوادث القتل التي شهدتها المحافظة منذ بداية العام الحالي، لتحليل أنماطها، والوقوف عند الأسباب والعوامل التي تسهم في تكرارها، مستندةً إلى شهادات من سكان محليين وصحفي وناشطة مدنية ومحامي، اشترطوا جميعهم عدم البوح بأسمائهم لأسباب أمنية.
تُعد حوادث الاستخدام غير المنضبط للسلاح أحد أبرز مظاهر العنف في المحافظة، إذ سُجلت عدة إصابات ووفيات نتيجة غياب قواعد الأمان وانتشار السلاح في متناول الغالبية، سواء داخل المنازل أو في الأماكن العامة. لم تعد هذه الحوادث حالات فردية معزولة، بل تعكس غياب الوعي الكافي بخطورة السلاح. ففي أواخر كانون الثاني، أُصيب طارق سليمان حمزة، وهو رجل في الستينات من عمره، بطلق ناري في الرأس، أثناء قيامه بتنظيف سلاح داخل منزله. كما سُجلت وفاة الشاب عهد نوفل خلال شهر شباط الماضي، نتيجة استخدام خاطئ للسلاح أدى إلى إصابته بطلق في الصدر.
ولم تقتصر الحوادث على الاستخدام الفردي، إذ قد يُصاب مدنيون نتيجة إطلاق نار عشوائي دون استهداف مباشر. فقد أُصيب زين العابدين حيدر حسين، في أثناء وجوده على سطح منزله بطلق مجهول المصدر في الريف الشرقي من المحافظة. كما سُجلت إصابات أخرى بالقرب من دوار “الباشا” (الباسل سابقًا) وسط المدينة، نتيجة إطلاق نار في الهواء من قبل مجموعة أشخاص دون معرفة أسباب هذا الفعل. وبحسب “أبو أسعد”، وهو أحد أصحاب محال بيع المشروبات القريبة من الموقع، فقد شهد هذا الدوار حالات مشابهة سابقًا، مما أسهم في خلق حالة من الذعر بين زبائنه أو آخرين في الجوار، إذ يروي أنه في حادثتين منفصلتين تعرّض زجاج محاله للكسر بالرصاص الطائش. ويطالب “أبو سعد” بـ”تسيير دوريات لضمان أمن الدوار”. وحادثة أخرى في 9 من أيار أودت بحياة الطفل نور غبرة (10 سنوات) في قرية ذيبين، إثر إصابته بطلق ناري من بندقية صيد داخل المنزل، وسط ترجيحات بأن الحادثة ناجمة عن العبث بالسلاح.
برزت القنابل اليدوية كواحدة من أخطر مصادر التهديد، مع تكرار حوادث انفجارها نتيجة العبث أو سوء الاستخدام، ما يرفع مستوى الخطورة بشكل كبير مقارنة بالأسلحة الفردية، بسبب قدرتها على إحداث إصابات جماعية. في أواخر كانون الثاني الماضي، أدى انفجار قنبلة في المنطقة الصناعية بمدينة السويداء، إلى مقتل الطفلين سلطان بدران وورد الباروكي، وإصابة ستة آخرين، نتيجة عبث مجموعة من الأطفال والشبان. مصادر محلية رجحت حينها أنها نتيجة مخلفات حرب. وتكررت حوادث مماثلة، إذ قتل الشاب ريان أبو حمدان خلال نيسان الماضي إثر انفجار قنبلة كانت بحوزته قرب مفرق كناكر غرب المدينة، كما أُصيب علاء غزلان بجروح خطيرة في 29 كانون الثاني الماضي نتيجة انفجار قنبلة عن طريق الخطأ. وانفجرت قنبلة يدوية أثناء قيام سائدة هندي برجاس، من قرية بكا، بتنظيف منزلها، ما أدى إلى وفاتها.
تكشف بعض الحوادث عن تحول الخلافات الفردية إلى مواجهات مسلحة، حيث لم تعد النزاعات تُحل بوساطات اجتماعية أو قانونية، بل بات السلاح خيارًا سريعًا ومباشرًا. في 23 كانون الثاني الماضي، أُصيب أدهم هادي شجاع بعدة طلقات نارية نتيجة خلاف مادي، فيما أُصيب وهب نهاد علبة في حادثة منفصلة في مدينة شهبا لأسباب مجهولة. وفي 24 شباط الماضي، قُتل اليافع فهد ناجي الشعراني بطلق ناري في الرأس إثر خلاف مجهول نشب بينه وبين مجموعة أخرى، في حادثة تعكس تصاعد حدة العنف ووصوله إلى فئات عمرية صغيرة. وشهد 23 من آذار الماضي مقتل محمد شفيق الفارس، ونجله نزار الفارس، اللذين قُتلا داخل منزلهما في بلدة عريقة، على يد أحد أقاربهما، وهو يحيى الفارس، الذي قُتل لاحقًا في كمين نصبه له أقارب المغدور. كما قُتل المهندس منير البحري في منتصف نيسان، بعد تعرضه لإطلاق نار أثناء تواجده في سيارته من قبل مسلحين مجهولين لاذوا بالفرار ما أدى لوفاته فورًا. كما نشب خلاف بين أبناء مدينة عريقة في 24 نيسان، ما أدى لوقوع ضحايا ووفاة شاب من عائلة عزام. إلى جانب ذلك، سُجلت حوادث قتل وإصابات لا تزال ظروفها غير واضحة، فقد توفيت مها سلمان المصري في مطلع العام إثر إصابتها بطلق ناري في العنق. في حين توفي الشاب حسان مرشد في آخر شهر نيسان الماضي، جراء إصابته بعدة طلقات نارية عقب نشوء خلاف عائلي في منزله.
تضاربت الروايات حول إصابة الشاب عناد مكارم بطلق ناري، في 14 نيسان الماضي، استقر في وجهه، بين أنه كان ناتجًا عن خلاف شخصي أو على خلفية سياسية. جاءت الحادثة بعد يوم واحد من نشر مكارم مقطع فيديو على صفحته الشخصية على “فيسبوك” موجهًا اتهامات لـ”الحرس الوطني” وما يعرف بـ”المكتب الأمني” باستغلال معاناة الأهالي، مع استمرار الغموض حول الحادثة. ومن جهة أخرى، توجد حوادث ما زالت خلفياتها ضبابية، منها ما شهدته نهاية عام 2025، وأثارت جدلًا واسعًا حول احتمال ارتباط بعضها بخلفيات سياسية أو بمواقف علنية انتقادية. إحداها حادثة اعتقال الشيخ رائد المتني على يد “الحرس الوطني”، ثم وصول جثمانه إلى مشفى في السويداء وعليه آثار تعذيب، التي أثارت حالة من الغضب والاستياء الشعبي، وسط مطالبات بكشف ملابسات الحادثة. كما قُتل أنور فوزات الشاعر في قرية بوسان إثر تعرضه لإطلاق نار، بعد أيام من نشره منشورات انتقد فيها فصائل محلية عبر “فيسبوك”، دون صدور أي تأكيد رسمي يربط بين الحادثتين. إضافة إلى ذلك، تحدث صحفي محلي لعنب بلدي عن حوادث سُجلت بقيت ظروفها غامضة وسط تستر كامل على تفاصيلها، مشيرًا إلى حالات انتحار تم التكتم عليها ووُصفت على أنها بسبب استخدام خاطئ للسلاح، إلا أن عنب بلدي لم يتسنّ لها التأكد من هذه المعلومات.
حضر البعد الجنائي أيضًا ضمن مشهد العنف، حيث سُجلت جرائم قتل مرتبطة بمحاولات السرقة، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع معدلات الفقر، ما جعل بعض محاولات السرقة تتحول إلى اعتداءات مميتة. ففي 2 من شباط الماضي، توفي الشاب وليد فراج الشوفي متأثرًا بإصابته بعد تعرضه لاعتداء من قبل مجهولين حاولوا سرقة دراجته النارية، في حادثة تعكس تحول السرقة إلى جرائم عنف مميتة. وفي حادثة أخرى، أُصيبت ريمة الخطيب أبو فخر في مطلع كانون الثاني الماضي بطلق ناري خلال اشتباك اندلع أثناء محاولة القبض على متهمين بالسرقة، قبل أن تفارق الحياة لاحقًا متأثرة بإصابتها، وهو ما يسلط الضوء على وقوع مدنيين ضحايا في سياق أحداث مسلحة، حتى عندما لا يكونون طرفًا مباشرًا فيها. ودفعت هذه الأحداث بعض المواطنين إلى التراجع عن شراء دراجات نارية، بسبب تزايد حوادث السرقة والاعتداءات المرتبطة بها. وبحسب ما قاله مواطنون لعنب بلدي، فالخوف لم يعد يقتصر على خسارة الدراجة فقط، بل من احتمال التعرض للاعتداء أو السلب في أثناء استخدامها، ما يدفع للتخلي عن الفكرة رغم الحاجة لها كوسيلة نقل أقل تكلفة.
لا تقتصر مظاهر التوتر على حوادث الاعتداء المباشر، إذ سُجلت حالات إطلاق نار في الهواء نتيجة خلافات يومية، من بينها خلافات على تنظيم الدور إن كان على الكازيات أو الأفران أو حتى خلال المناسبات والاحتفالات دون مراعاة وجود الأهالي المدنيين أو الأطفال. “صالحة د”، وهي من سكان مدينة السويداء، تروي أنها عادت ذات يوم من دون الحصول على الخبز بعد نشوب شجار على الطابور تطور إلى سحب السلاح، فاضطرت لأخذ ابنتها والعودة خوفًا من أن تصاب برصاص طائش. وتصف الواقع الأمني في المحافظة بـ”الهش” حيث يمكن لأي احتكاك بسيط أن يتحول إلى مواجهة مسلحة. ومن جانبها، تضيف سيدة أخرى أن حضور المناسبات أيضًا صار مقلقًا بالنسبة لها، لأنه “في لحظة واحدة ممكن يتحول الفرح لعزاء”، حسب تعبيرها. في نيسان برزت حادثة الاعتداء على مديرية التربية وإطلاق النار العشوائي أمام المبنى كـ”أكثر الحوادث إهانة” كما وصفها أحد الموظفين، باعتبار أنها طالت مؤسسة تربوية يفترض أن تبقى بعيدة عن التوترات والخلافات. وفي أعقاب الحادثة، أعلنت قيادة “الأمن الداخلي” التابعة لـ”الحرس الوطني” مباشرتها إجراءات قانونية وأمنية، بعد توجه عدد من الموظفين لتقديم بلاغات رسمية، مؤكدة ملاحقة المتورطين بالحادثة. وفي ظل وجود قوى محلية في المحافظة، تتمثل في “الأمن الداخلي”، لا يزال ملف ضبط السلاح وملاحقة المتورطين بحوادث القتل محل انتقادات من الأهالي، الذين يرون غياب إجراءات تحد من تكرارها.
منذ بداية العام وحتى إعداد التقرير، رصدت مراسلة عنب بلدي ما لا يقل عن 20 حادثة عنف منها ما أسفر عن قتلى أو إصابات خطيرة. يقول أحد المحامين، في حديث إلى عنب بلدي، إن تدهور الأوضاع المعيشية والاجتماعية قد يدفع بعض الأفراد في بعض الحالات، إلى سلوكيات غير قانونية أو إلى اللجوء إلى العنف كوسيلة للبقاء. وتشير الناشطة المدنية “سلام. خ” إلى أن سهولة انتشار السلاح والمواد المتفجرة بين المدنيين، وخاصة بين الفئات العمرية الصغيرة، تعكس مظاهر الإهمال وضعف الرقابة المجتمعية، في ظل غياب إجراءات حازمة أو حملات توعية فعالة. كما يسهم في تعقيد المشهد واتساع حجم المشكلة ضعف الرقابة على مصادر بيع هذه المواد، إذ تشير معطيات محلية إلى تزايد تداولها خارج الأطر الرسمية، سواء عبر بعض المحال التجارية أو من خلال منصات التواصل الاجتماعي دون أي رقابة على البائع أو الشاري، ما يزيد من صعوبة الحد من هذه الظاهرة المتفاقمة ويضاعف احتمالية وقوع حوادث مشابهة بشكل مستمر، خاصة بين الأطفال واليافعين. إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال تأثير التوترات السابقة التي تطورت عقب أحداث تموز إلى الواقع الحالي، حيث ساهم انتشار فصائل محلية متعددة غير منضبطة في إضعاف المؤسسات وخلق بيئة غير مستقرة. وفي ظل غياب مؤشرات واضحة على تحسن قريب، تبقى المخاوف قائمة من استمرار هذا التصاعد، خاصة مع تعدد أنماط العنف واتساع نطاقها، بما يهدد سلامة المدنيين ويعمق حالة القلق في المجتمع المحلي.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي