تحليل إسرائيلي معمق: دمشق في عيون تل أبيب بعد مرحلة الأسد


هذا الخبر بعنوان "تل أبيب تراقب دمشق.. تقرير يحلل العقل الإسرائيلي بعد الأسد" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يقدم نور يسري هذا التقرير الذي يستعرض ويحلل أبرز ما نُشر في إسرائيل بخصوص سوريا خلال شهر نيسان/أبريل الماضي. يمثل هذا التقرير باكورة سلسلة تقارير شهرية تهدف إلى رصد تطور الموقف الإسرائيلي تجاه سوريا الجديدة في مرحلة تاريخية حساسة قد ترسم ملامح العلاقة المستقبلية بين سوريا وأحد أكثر جيرانها تعقيدًا. يعتمد التقرير على منهج بحثي دقيق شمل تتبع وسائل الإعلام، ومراكز الأبحاث، والمحتوى المنشور على موقع إكس، بالإضافة إلى تصريحات أعضاء الحكومة والكنيست، مما أثمر عن قاعدة بيانات مفصلة مكنت من تحديد أبرز القضايا التي استحوذت على اهتمام الرأي العام الإسرائيلي وأنماط توجهاته المتكررة.
هيمنت ثلاثة محاور رئيسية على المحتوى الإسرائيلي المتعلق بسوريا خلال فترة الدراسة: أولًا، دور سوريا في الصراع الدائر بين إسرائيل وحزب الله؛ ثانيًا، مستقبل العلاقة بين إسرائيل وسوريا؛ وثالثًا، المظاهرات التي اندلعت دعمًا للفلسطينيين عقب إقرار قانون إعدام الأسرى.
تجد سوريا نفسها طرفًا في الصراع المستمر بين إسرائيل وحزب الله، وذلك بحكم موقعها الجغرافي والإرث الذي خلفه نظام بشار الأسد. يتابع الإعلام الإسرائيلي بانتظام أنشطة الحزب داخل الأراضي السورية، والتي تسعى الحكومة الجديدة إلى الحد منها، سواء على طول الحدود أو من خلال تفكيك الخلايا النشطة في مناطق مختلفة من البلاد. وقد حظي خبران باهتمام واسع في إسرائيل: الأول إعلان الأجهزة الأمنية السورية عن اعتقال خلية لحزب الله كانت تخطط لاغتيال حاخام يهودي في دمشق، والثاني يتعلق بخلية أخرى كانت تستعد لإطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل من الجنوب.
نشرت "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات"، وهي مركز أبحاث أمريكي مرتبط باللوبي الإسرائيلي، مقالًا يرى أن هذه الحوادث "تكشف عن إصرار حزب الله على زعزعة استقرار سوريا، وتمثل فرصة لتعاون إسرائيلي سوري بوساطة أمريكية ضد أنشطة الحزب". في المقابل، اعتبر مركز "ألما" أن هذه الحوادث مؤشر سلبي يكشف عن "عمق اختراق العناصر الأجنبية للأراضي السورية"، وأن سوريا لا تزال "مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار".
كما غطت وسائل الإعلام قضية القصف الوشيك لمعبر المصنع الحدودي بين سوريا ولبنان، حيث أصدر الجيش الإسرائيلي إنذارًا بإخلائه. لكن اتصالات أجرتها الحكومتان السورية واللبنانية مع الولايات المتحدة حالت دون ذلك، إذ أفادت هيئة البث الإسرائيلية بأن أمريكا طلبت من إسرائيل الامتناع عن تنفيذ الضربة "لأسباب سياسية"، وترك التعامل مع مسألة التهريب لقوات الأمن السورية.
مع دخول الهدنة بين إسرائيل والحزب حيز التنفيذ، تحول التركيز من التطورات الميدانية إلى المسار الدبلوماسي. وذكرت هيئة البث أن سوريا تراقب المفاوضات عن كثب، وأنها، رغم دعمها لسيادة لبنان، حريصة على مراعاة مصالحها في أي اتفاق يتم التوصل إليه، وخصوصًا فيما يتعلق بمسائل ترسيم الحدود، والحدود البحرية، والسيادة على مزارع شبعا.
علم “حزب الله” اللبناني أمام منزل مدمر إثر غارة إسرائيلية عقب التصعيد بين “حزب الله” وإسرائيل وسط الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران – 23 آذار 2026 (رويترز)
الموضوع الذي تلا لبنان من حيث الكثافة في المحتوى الإسرائيلي كان مسار المفاوضات ومستقبل العلاقة مع سوريا. حيث نقلت شتى وسائل الإعلام تصريحات الرئيس السوري، أحمد الشرع، والمبعوث الأمريكي توم براك في منتدى أنطاليا. صرح الشرع بأن دمشق اختارت مسار الدبلوماسية رغم ما وصفه بالتعامل الإسرائيلي "الوحشي" معها، وأن المفاوضات لم تنهار بل تسير ببطء، وذكر أن العقبة الرئيسية هي إصرار إسرائيل على البقاء في الأراضي السورية.
أما براك فكشف أنه قاد خمس جولات من المحادثات، وأن التوصل إلى اتفاق كان قريبًا لكن المحادثات انهارت، عازيًا ذلك إلى الواقع الأمني المعقد. ولفت براك إلى أن إسرائيل تواصل عملياتها داخل سوريا "رغم أن الأخيرة لم تطلق عليها رصاصة واحدة" منذ سقوط الأسد.
الرئيس السوري أحمد الشرع يلتقي المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك على هامش منتدى أنطاليا الدبلوماسي ـ 16 نيسان 2026 (رئاسة الجمهورية العربية السورية)
أما الموضوع الثالث الذي شغل الإسرائيليين بانزعاج شديد فكان الاحتجاجات التي خرجت في عدة محافظات ضد قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين. ركزت صحيفة "اسرائيل اليوم" اليمينية المقربة من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، على قيام بعض المتظاهرين بتمثيل إعدام لدمية تمثله، قائلة إن "التحريض ضد إسرائيل يستعر في سوريا"، وأسهبت في وصف المشهد وقيام المحتجين بالعد التنازلي وهم يهتفون "الله أكبر" لحظة إلقاء الدمية من الشرفة.
ورأت الباحثة في مركز "ألما"، زوي ليفرنيك، أنه لا يمكن اختزال المشاهد القادمة من سوريا على أنها رد فعل على حرب غزة، ففي رأيها تتقاطع في تأجيج هذه الاحتجاجات واستثمارها جملة من القوى، وهي: "حركتا حماس والجهاد الإسلامي"، والعناصر "السلفية الجهادية" في سوريا التي توظف الاحتجاجات لزعزعة النظام، وإيران الساعية إلى "إعادة فتح الجبهة السورية في وجه إسرائيل وتقويض حكومة الشرع". أما عن استجابة الحكومة السورية، فقد جاءت في نظرها "مترددة وغير حاسمة". وقد عزت هذا الموقف إلى مزيج بين الخوف من أن تبدو الحكومة كمن يقمع التضامن مع الفلسطينيين، واعتبار بعض أفرادها للأحداث ورقة ضغط مفيدة على إسرائيل في ظل المفاوضات المتعثرة.
من جانب آخر، كتب الصحفي دورون بسكين في صحيفة "كالكاليست" مقالًا ذا نبرة عدوانية شديدة، وقال إن "كل من تخيل في القدس أو واشنطن إمكانية التطبيع مع سوريا، أو على الأقل ترتيبًا أمنيًا هادئًا، تلقى صفعة موجعة هذا الأسبوع"، ووصف كلًا من الشارع السوري والحكومة بأنهما "إيديولوجيان بما يكفي للتحريض على إسرائيل، لكن عاجزان عن إطعام أنفسهم"، مضيفًا أنه من الوهم الاعتقاد بأن الأموال الخليجية يمكن أن تجعل من سوريا جارًا مستقرًا، وأن أي استثمار في البنى التحتية وتحسين الحياة للناس من دون "المطالبة بتغيير جوهري في منظومة قيم النظام" هو مقامرة مالية تنتهي بـ"صفعة أمنية مؤلمة".
وبعد حوالي أسبوعين من الأحداث، نقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مسؤول سوري قوله إن أجهزة الأمن السورية نفذت "اعتقالات أكثر بكثير مما تم الإعلان عنه، جرت بعيدًا عن الأضواء، وطالت محتجين رفعوا أعلام حماس". وحسب الهيئة، فقد أخبرها المسؤول السوري بأن "أنصار حماس وحزب الله والميليشيات الموالية لإيران يريدون قيادتنا نحو الهلاك". ولكن كاتب المقال استدرك بأن "التعاطف مع حماس لا يزال واسع الانتشار في سوريا"، مضيفًا أن ذلك "تجلّى في معرض دمشق الدولي للكتاب، حيث عُرضت للبيع كتب كثيرة تمجد الحركة".
الوقفة الاحتجاجية أمام السفارة الإماراتية بدمشق رفضًا لقرار الكنيست الإسرائيلي الذي يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينين ـ 3 نيسان 2026 (الإخبارية السورية)
بجانب هذه الموضوعات الثلاثة، تناول المحتوى الإسرائيلي ملفات أخرى بحضور أقل كميًا، لكنها على الأرجح لا تقل ثقلًا في العقل الإسرائيلي. في مقدمة هذه الملفات علاقة سوريا بالولايات المتحدة، حيث قوبلت تصريحات توم براك بغضب واضح، صحبته حملة من الهجوم من قبل المصادر الإسرائيلية التي تنشر باللغة الإنجليزية وتخاطب الجمهور الغربي. ونشرت "منظمة الدفاع عن الديمقراطيات" مقالًا طويلًا شارك في كتابته مديرها التنفيذي جوناثان تشازنر، اتهمت فيه براك بأنه يخدم المصالح التركية على حساب المصالح الأمريكية والإسرائيلية، واستنكرت تصريحاته في منتدى أنطاليا. ذهبت المنظمة إلى أن براك يمنح أردوغان "الشرعية" في وقت "تواصل فيه تركيا دعمها لحماس، وغسيل الأموال الإيرانية، ونقل أسلحة متطورة إلى سوريا"، مطالبة الرئيس ترامب بمحاسبة سفيره.
بالإضافة إلى ذلك، نقلت بعض المصادر العبرية أيضًا أخبار الانسحاب التاريخي للقوات الأمريكية من كامل الأراضي السورية. بينما اهتمت أخرى بتقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية حول جهود بذلها مليارديران سوريان من عائلة "الخياط" لدفع إدارة الرئيس ترامب والكونجرس نحو رفع العقوبات عن سوريا. كما رأت بعض الأصوات أن ما حدث في قضية "ممر المصنع" من نجاح سوري في منع الضربة هو مؤشر سلبي وجرس إنذار يجب الانتباه له. وعلقت مديرة "البرنامج السوري" في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، كارميت فالنسي، على الحادثة قائلة إن "حرية العمل في سوريا لم تعد مطلقة كما كانت في السابق"، وحذرت من أن "العلاقة الوثيقة بين سوريا والولايات المتحدة تخلق واقعًا مختلفًا على الأرض، ومن المحتمل أن تحتاج إسرائيل إلى تنسيق أفعالها مع الأمريكيين، إن لم يكن مع الشرع شخصيًا".
تركيا أيضًا تشغل الإسرائيليين كثيرًا. ولم تمنع حرب إيران الإعلام الإسرائيلي من الاهتمام بها بصفتها تهديدًا جديدًا ينبغي احتواؤه والاستعداد لمواجهته. فعلى سبيل المثال، نقلت "معاريف" عن المستشرق والباحث في "مركز القدس للشؤون الخارجية والدفاع"، يوني بن مناحيم، قوله إن "تركيا هي إيران الجديدة"، وإن ما يقوم به الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتعدى مجرد التصريحات العلنية المعادية لإسرائيل، وإن تركيا لا تكتفي بالخطوات السياسية، بل تزيد من حضورها العسكري في سوريا بالتنسيق مع الشرع. وفي مقال نشره موقع "غلوبس" عن حرب إيران، تطرق الكاتب إلى حادثة سقوط أحد مكونات صاروخ اعتراضي أمريكي من منظومة "ثاد" في جنوب سوريا، وإلى القلق من أن تصل مثل هذه التقنية المتطورة إلى تركيا عبر النظام السوري، حيث يمكن أن توظف ذلك في تطوير أنظمة شبيهة محليًا، من خلال "الهندسة العكسية".
رجل يرفع العلم الإيراني بعد غارات أمريكية- إسرائيلية (EPA)
كما تابع الإعلام الإسرائيلي باهتمام ما يتعلق باستخدام الأراضي السورية في مشاريع إقليمية تتعلق بالنقل والطاقة، في خطوات كانت قيد الدراسة فعليًا، لكن الحرب وغلق مضيق هرمز سرعا من المضي فيها. ونقلت صحيفة "كالكاليست" إعلان وزارة النفط العراقية عن تصدير المازوت من خلال سوريا، وتوقيعها عقود تعاون مع شركة "سومو" لنقل مئات آلاف الأطنان من النفط والوقود من الصحراء السعودية والسورية. بينما تابعت صحيفة "معاريف" مرور حاويات النفط العراقية إلى معبر التنف، في طريقها إلى مصفاة بانياس. وعلى صعيد آخر، كتبت الصحيفة نفسها عن الاتفاق بين تركيا وسوريا والأردن على التعاون في مشروع تحديث شبكات السكك الحديدية، بهدف إنشاء "ممر نقل بري يمتد من جنوب أوروبا إلى الخليج العربي".
وعبرت الباحثة والمسؤولة الحكومية السابقة جاليت كوهين عن قلقها تجاه مثل هذه المشاريع، قائلة إن أزمة مضيق هرمز خلقت فرصة لإسرائيل، وأنه في حال عدم استغلالها سريعًا، "ستنشأ ممرات بديلة تتجاهل إسرائيل كليًا، حيث تعمل تركيا جاهدة على إنشاء ممر من سوريا ولبنان إلى البحر المتوسط، ويحاول العراق أيضًا الترويج لطريقه الخاص". وبخصوص الطاقة أيضًا، يرى "معهد القدس الاستراتيجية والأمن" في تقرير له أن هذا القطاع يمثل أحد أبرز الملفات التي يمكن لإسرائيل توظيفها في علاقتها مع سوريا على المدى البعيد، وأن عليها أن تنخرط في منظومة الطاقة الإقليمية التي تتشكل حاليًا، حتى تعزز نفوذها في مواجهة تركيا وقطر، وتكتسب ورقة ضغط مهمة على سوريا.
وأخيرًا، لم يفت بعض المصادر الإسرائيلية ملاحظة النشاط الدبلوماسي المكثف من الرئيس السوري خلال فترة الحرب في المنطقة. وتناولت صحيفة "يديعوت أحرونوت" قيام الشرع بزيارتين مهمتين إلى برلين ولندن، واستقباله الرئيس الأوكراني زيلينسكي في دمشق، قائلة إنه بينما "كان الجميع يتقاتل"، تمكنت سوريا من تحقيق إنجازات دبلوماسية مهمة.
صهاريج نفط عراقية على طريق بانياس خلال توجهها لتفريغ حمولتها في مصب بانياس تمهيدًا لتصدير النفط إلى الأسواق العالمية – 9 نيسان 2026 (سانا)
بشكل عام، يغلب على التناول الإسرائيلي لسوريا الجديدة الطابع السلبي، مما يجعله مختلفًا للغاية عن نظيره في الإعلام الغربي، الذي يظهر فيه الكثير من التقبل والانفتاح. في الوقت نفسه، هناك حالة واضحة من التناقض، تكمن في اختلاط النظرة السلبية بطموح في التعاون والتوصل لاتفاقات تفيد إسرائيل، وتصنيف عام للتغير في سوريا على أنه حدث جيد ونتيجة إيجابية للجموح العسكري الإسرائيلي بعد السابع من أكتوبر. وليس ذلك من قبيل وجود آراء متعارضة بين اليمين واليسار، ولكنه تناقض حقيقي تقوده المصادر الأكثر تشددًا نفسها. ونجد الأقلام التي تصر على استخدام اسم "الجولاني" في الإشارة إلى الرئيس السوري، تطمح في نفس الوقت إلى سيناريو تعمل فيه إسرائيل مع سوريا ضد "حزب الله" في لبنان. والعلاقة الأمريكية السورية التي تزعج الإسرائيليين هي نفسها التي يريدون أن تدفع سوريا إلى مسار التفاهم معهم.
وربما يكون هذا التناقض من سمات هذه المرحلة المبكرة من فترة ما بعد الأسد، على أن يتم حسمه في الأشهر المقبلة، فإما أن يتخذ مسارًا تصادميًا مع كل من سوريا وتركيا، أو يتجه نحو الاعتدال والهدوء، خاصة إذا حدث تقدم في المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة. وقد يكون العامل الحاسم في دفع إسرائيل لأحد المسارين، ما ذكره الباحث التركي عمر أوزكيزيلجيك، ونقلته صحيفة "معاريف"، وهو نتيجة الحرب على إيران والمفاوضات الجارية لإنهائها، فإن كانت شروط الاتفاق مرضية لإسرائيل، فقد تتبنى عقيدة "الدور على تركيا" وتوجه مواردها نحو نهج أكثر عدوانية تجاه دمشق، أما إذا كان الاتفاق هشًا، فقد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى إغلاق جبهة إقليمية واحدة على الأقل، مما يجعل سوريا مرشحًا طبيعيًا لخفض التصعيد.
سوريا محلي
سياسة
سياسة
سياسة