الذباب الإلكتروني: سموم رقمية تهدد حرية التعبير وتلوث الفضاء العام في سوريا


هذا الخبر بعنوان "حشرات إلكترونية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في زمن كانت فيه السلطة تخشى الكلمة الحرة، كان صاحب الرأي المخالف يتوقع مواجهة رقابة مباشرة، أو منعًا من النشر، أو استدعاءً أمنيًا، أو حملة تشهير تقودها أجهزة رسمية بأسماء معروفة. أما اليوم، فقد تطورت الأدوات وتغيرت الأساليب، وباتت بعض السلطات، أو من يدور في فلكها، تستعين بجيوش غير مرئية من الحسابات الوهمية والمعلقين المأجورين والمتطوعين المتحمسين. هؤلاء يجوبون الفضاء الرقمي كأسراب من الحشرات الإلكترونية، يطنّون في كل مكان، ويلتصقون بكل رأي لا يعجبهم، ويعملون بلا كلل على تلويث النقاش العام، كما يصف غزوان قرنفل.
هذه الظاهرة، التي باتت تُعرف شعبيًا باسم “الذباب الإلكتروني”، ليست مجرد سلوك مزعج على وسائل التواصل الاجتماعي، بل هي مشكلة سياسية وأخلاقية وثقافية عميقة. إنها تقوم على تحويل الاختلاف في الرأي إلى تهمة، والنقد إلى خيانة، والمعارضة إلى سبب كافٍ للنيل من السمعة والكرامة الشخصية. لا يناقش هؤلاء فكرة، ولا يفندون رأيًا، ولا يقدمون حجة، بل يهاجمون الشخص نفسه ويشككون في دوافعه، وينسبون إليه أسوأ النيات المفترضة، وكأن الولاء للسلطة يبيح انتهاك أبسط قواعد الاحترام.
لعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تكتفي بمحاولة إسكات الأصوات المنتقدة، بل تسهم في تسميم المجال العام برمته. فعندما يرى الكاتب أو الصحفي أو المواطن العادي أن أي رأي مخالف سيجرّ عليه وابلًا من الشتائم والاتهامات والتخوين، فإنه قد يفضل الصمت على الدخول في معركة عبثية مع حسابات مجهولة الهوية وعديمة المسؤولية. وهكذا، لا ينتصر الرأي الأقوى، بل الصوت الأعلى ضجيجًا والأكثر وقاحة وسوقية.
لا شك أن سوريا، بعد سنوات طويلة من القمع والاستبداد، شهدت تحسنًا نسبيًا في هامش الحريات العامة وحرية التعبير، حيث صار ممكنًا إلى حد ما قول ما كان يُعد محرمًا في السابق، وأصبح النقاش العام أكثر تنوعًا وجرأة، ولو ضمن حدود لا تزال متواضعة مقارنة بما يطمح إليه الناس. وهذا تطور ينبغي الاعتراف به والبناء عليه. لكن هذا التقدم يبقى ناقصًا ومهددًا ما دامت الحشرات الإلكترونية تنشط بحرية في الفضاء العام، تلاحق كل صوت مستقل، وتتعامل مع النقد بوصفه جريمة. إن السلطة التي تسمح بوجود هذا المناخ أو تتغاضى عنه أو تستفيد منه، تسيء إلى نفسها قبل أن تسيء إلى منتقديها، إذ لا يمكن الادعاء باحترام حرية التعبير في الوقت الذي يُترك فيه المخالفون فرائس حملات منظمة من التشهير والتحريض والاغتيال المعنوي.
اللافت أن أكثر المتحمسين للدفاع عن السلطة لا يدركون أنهم يلحقون ضررًا بالغًا بها وبسمعتها. فالسلطة الواثقة من أدائها والمتيقنة من شرعيتها لا تحتاج إلى جوقة تصفيق، ولا إلى كتائب من الشتّامين أو المطبّلين، بل هي تحتاج إلى النقد الصادق أكثر مما تحتاج إلى المديح المجاني. تحتاج إلى من يشير إلى أخطائها كي تصححها، لا إلى من يقنعها بأنها معصومة عن الخطأ. والتاريخ يعلمنا أن الأنظمة لا تسقط بسبب كثرة منتقديها، بل بسبب كثرة المنافقين الذين يحيطون بها ويزينون لها كل قرار مهما كان خاطئًا.
إن النقد ليس عملًا عدائيًا، بل هو تعبير عن القلق أو الاعتراض أو التحذير من قرار أو نهج يعتقد أو يرى فيه المنتقد خطرًا وشيكًا أو ضررًا يصعب تدارك آثاره. وبالتالي، هو شكل من أشكال الحرص على المصلحة العامة. ومن المؤسف أن يتحول هذا الحرص إلى سبب للتشهير والتخوين، فالدول التي تحترم نفسها تعتبر النقد جزءًا من عملية التصحيح والتطوير، لا تهديدًا ينبغي القضاء عليه.
إن بناء دولة حديثة لا يقتصر على إصدار القوانين أو تنظيم الانتخابات أو إطلاق الشعارات الرنانة، بل هو في أحد وجوهه عمل يتطلب ترسيخ ثقافة سياسية تقبل التعدد والاختلاف، وتحترم حق الناس في التعبير عن آرائهم من دون خوف من التنمر أو الإساءة أو التشهير. وإذا كانت السلطة الجديدة جادّة في تقديم نفسها بوصفها سلطة انتقالية مختلفة عن سابقتها، فعليها أن تتبرأ بوضوح من هذه الممارسات، وأن تشجع أنصارها على احترام الرأي الآخر، والكف عن التطبيل؛ لأن ما هو صحيح لا يحتاج إلى تطبيل لتوكيد صحته.
إن مكافحة الحشرات الإلكترونية، التي تحولت إلى ظاهرة تشوه الفضاء العام وتفسد الهواء الذي من الممكن أن يتنفسه النقاش الوطني الذي تحتاج إليه سوريا، ليست مهمة مستحيلة، بل هو قرار سلطة إن أرادت فعلت. وذلك للدفاع عن حق المجتمع كله في أن يتحاور بعقلانية ومسؤولية واحترام. فالحرية التي تحاصر بالشتائم والتخوين ليست حرية، والتقدم الذي يرافقه طنين الذباب الإلكتروني وتطبيله يظل تقدمًا مشوهًا لا يسهم في بناء الأوطان. هل سمعتم أو رأيتم قط “حشرات” بنت وطنًا لبشر؟!
سياسة
سياسة
سياسة
سوريا محلي