من فابريكات الشعارات إلى فوضى التواصل: دعوة للتجرد الفكري في مواجهة الخطابات الجاهزة


هذا الخبر بعنوان "ساعدونا لنتخلص من الخطابات" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٧ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يتأمل الكاتب خطيب بدلة في ظاهرة انتشار الخطابات والشعارات الجاهزة، حيث يخالجه شعور بأن تيارات مثل البعثيين والقوميين عمومًا والجماعات الإخوانجية والرفاق الشيوعيين تمتلك "مصانع" تعمل بكفاءة لإنتاج هذه الشعارات وإلقائها على مسامع الناس. يرى أن هذه المصانع لا تحتاج سوى للتلقيم بالخطابات والصياح وكمية لا يستهان بها من "العلاك".
يشير إلى أن التمييز بين هذه الشعارات، لمعرفة أيها بعثي أو شيوعي أو إخوانجي، قد يكون صعبًا أحيانًا، لكنه يرى أن تركها مختلطة قد يكون أفضل وأقل ضررًا. وفي المقابل، يستمع المرء بين المثقفين إلى عبارات تحمل معنى أعمق مثل: "الكلمة مسؤولية"، و"الكلمة الرصاصة"، و"الساكت عن الحق شيطان أخرس"، و"إذا لم تكن قادرًا على نصرة الحق، فلا تصفق للباطل!".
في الماضي، كان التعبير عن الرأي حكرًا على الصحفيين والإعلاميين العاملين في الصحف والتلفزيون الحكومي، ولم يكن متاحًا للجمهور سوى خطابات فريق السلطة والقيادة "الحكيمة" وجوقة المصفقين. لكن ظهور وسائل التواصل الاجتماعي مع مطلع القرن الحادي والعشرين فتح الباب على مصراعيه للجميع، وهو أمر بدا حسنًا في البداية.
غير أن هذا الانفتاح سرعان ما تحول إلى فوضى، خاصة مع مجانية التعاطي مع هذه الوسائل. فقد أغرى ذلك الكثير من الأشخاص الذين تربوا ونشأوا على الشعارات والخطابات الجاهزة، للتحدث في السياسة. أصبح الجميع، كما يصفهم الكاتب، "شبيهين بخبز الشعير الذي يعد نفسه من النعمة"، وراحوا يضيقون الخناق على الصحفي أو الأديب أو السياسي الذي يخاطب الرأي العام ويحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه وسط هذا الخراب الكبير.
يوبخ هؤلاء المنتقدون كل من يقول شيئًا يتناقض مع شعاراتهم، أو يشتمونه. وبعضهم، وإن بدا أقل شراسة، يطلبون من الكاتب أن يقول ما يناسب تفكيرهم. يروي الكاتب من تجربته الشخصية أن أحدهم سأله: "لماذا لا تتحدث في منشوراتك عن معاناة الإخوة الفلسطينيين، وعن الخونة والعملاء العرب الذين يساعدون الصهاينة المجرمين على اضطهادهم؟ يا أخي اكتب عن قتل الأطفال، وتشريد الناس، وتهديم البيوت في الجنوب. ولماذا لا توضح لمتابعيك الدور العظيم الذي قامت به دولة إيران المسلمة في مواجهة الخطر الصهيوني على أمتنا وشعبنا؟".
يذكر هذا النوع من التعليقات الكاتب بطقوس شهر رمضان في الأيام الغابرة، عندما كان الناس في بلدته الصغيرة وفي كل البلدان السورية تقريبًا "يتساكبون"، أي يرسل الجار صحنًا من طبقته، وهي "سكبة" لا تحتاج إلى أي جهد من المتلقي سوى تناولها. يرد الكاتب على هذا التعليق الجاهز بالقول: "لماذا لا تنشر أنت هذا الكلام؟ ما هي الحكمة في أن آخذ أنا عبارتك، سكبتك، وأقدمها لقرائي؟ ألا يعتبر هذا سرقة أو اختلاسًا؟".
في مقابل الخطابات والشعارات والخلاصات الجاهزة التي كانت تُكتب على أقفية ورق الروزنامة، يدعو الكاتب إلى مفهوم "التجرد". يعني التجرد التفكير بحرية وصدق، والتحرر من سيطرة المحفوظات، والنظر إلى الماضي بعقلية اليوم، لا أن ننظر إلى الحاضر والمستقبل بمقاييس الماضي. فقد أوصلتنا الخطابات والمحفوظات إلى هذا القعر العميق، وعسى أن يخرجنا التفكير الحر "المتجرد" ولو بضعة سنتيمترات إلى الأعلى. يقر الكاتب بأن هذا الأمر صعب وشاق، لكنه يؤكد أنه لا بديل عنه.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة