الموسيقا الكردية: رحلة الهوية من التراث الشفهي إلى التجديد المعاصر


هذا الخبر بعنوان "الموسيقا الكردية بين التراث والحداثة.. هوية تتجدد عبر الأجيال والأمكنة" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٨ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تنساب أنغام الطنبور بين الجبال والسهول، حاملةً حكاياتٍ عتيقة تتوارثها الأجيال، بينما تتصاعد أصوات «الدنغبج» — المنشد الشعبي الكردي — محملةً بملاحم الحب والفقد والبطولة. إن الموسيقا الكردية ليست مجرد فنٍ غنائي، بل هي هوية ثقافية نابضة تختزن في أنغامها روح المكان وذاكرة الإنسان وتاريخه الممتد عبر قرون. ورغم تنوع البيئات الجغرافية التي احتضنت المجتمعات الكردية، حافظت موسيقاها على خصوصيتها الفنية والوجدانية، مستندةً إلى إرثٍ شفهي عريق وتداخلٍ ثقافي واسع مع الموسيقا العربية والتركية والفارسية والأرمنية، ضمن فضاءٍ مشترك أسهم في تشكيل هوية موسيقية غنية ومتعددة الأبعاد.
تُعد الموسيقا الكردية من أقدم الفنون الموسيقية في المنطقة، حيث ارتبط حضورها التاريخي بالحياة الاجتماعية والاحتفالية. وقد أسهم عدد من الموسيقيين الكرد في ازدهارها خلال العصور الإسلامية، وكان من أبرزهم الموسيقي زرياب الذي وصفته المستشرقة الألمانية زيغريد هنكه بـ «الفتى الكردي». نقل زرياب تقاليد موسيقا الشرق الأوسط إلى الأندلس، وطوّر آلة العود بإضافة الوتر الخامس إليها، إلى جانب إدخاله تحسينات على أساليب الغناء والإيقاع.
كما شهد العصر العباسي حضور شخصيات موسيقية كردية بارزة، مثل محمد الخطيب الآربيلي الذي أفرد له المؤرخ مهرداد إيزادي مساحة خاصة في مؤلفه «الكرد: دليل موجز»، مسلطاً الضوء على إسهاماته وبصمته التي رسخته كواحد من أبرز المبدعين القدامى في المشهد الموسيقي الإقليمي.
بدأ الاهتمام الأكاديمي بتوثيق الموسيقا الكردية مطلع القرن العشرين، وخاصةً في أرمينيا ومنطقة القوقاز، حيث أسهمت دراسات الموسيقا الفولكلورية في حفظ جانب من التراث الغنائي الكردي، ولا سيما فن «الدنغبج» الشفهي. وعمل الأكاديمي الكردي سيميلا سيليل على جمع الأغاني الكردية وتوثيقها في كتابين صدرا خلال عامي 1964 و1965، وفق دراسات تناولت التراث الموسيقي الكردي.
تنوعت أنماط الموسيقا الكردية بين الأغاني الملحمية والعاطفية والدينية والشعبية. ومن أبرزها «اللاوكس» التي تستعيد بطولات الشخصيات التاريخية والأسطورية، و«الهيرانس» المرتبطة بأغاني الحب والفراق، إلى جانب أنماط أخرى ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية والطبيعة والحياة اليومية، بحسب دراسة منشورة في مجلة Kurdish Studies Journal المحكمة.
ويحتل «الدنغبج» مكانة محورية في التراث الموسيقي الكردي، بوصفه حارساً للذاكرة الشفهية، حيث يروي المغنون الشعبيون عبر أصواتهم الملاحم والحكايات والتجارب الإنسانية، محافظين على تاريخ اجتماعي كامل انتقل شفهياً عبر الأجيال.
تقوم الموسيقا الكردية على تداخل تاريخي وثقافي مع محيطها الإقليمي نتيجة قرون طويلة من التعايش والتبادل الثقافي، وهو ما يشير إلى شبكة تأثيرات موسيقية تشكلت عبر الزمن داخل فضاء اجتماعي وجغرافي مشترك.
وفي سوريا، استطاع عدد من الفنانين الكرد ترك حضور مؤثر في المشهد الموسيقي رغم غياب التعليم الأكاديمي الموسيقي لفترات طويلة. ومن هؤلاء غيرابيتي خاكو، وسعيد يوسف المعروف بـ «أمير البزق»، وآرام تيغران، ومحمد عزيز، وسيوان هاكو، وخيرو عباس، ومحمد شيخو صاحب الأغاني المناهضة للنظام البائد، الذي رحل في آذار عام 1989.
تبرز تجربة محمد شيخو بوصفها إحدى التجارب الموسيقية التي جمعت بين التراث والانفتاح على المحيط الموسيقي العربي، إذ تنقل بين بيروت وبغداد وغيرها، وتأثر بالموسيقا العربية في لبنان والعراق، ما أسهم في تطوير بناء لحني جديد داخل الأغنية الكردية السورية، وفق ما ورد في كتاب «مختارات لأغاني محمد شيخو» الصادر عن منشورات «مشروع هنار الثقافي» في القامشلي.
كما يشير باحثون إلى أن الفنان تحسين طه شكّل جزءاً من مرحلة تداخل فني مع موسيقيين عرب، من بينهم فريد الأطرش، ضمن سياقات فنية عابرة للحدود الثقافية.
يرى عازف البزق والمغني الكردي ألان مراد في حديثه لـ «سانا»، أن الموسيقا الكردية تتقاطع مع العربية في عدد كبير من المقامات، مثل البيات والحجاز والصبا، بينما تظهر الفروقات في التوزيع اللحني وطريقة الأداء واستخدام المسافات الصوتية الدقيقة. وأوضح أن ما يعرف في الموسيقا العربية باسم «مقام الكرد» لا يرتبط بالموسيقا الكردية، بل هو مصطلح موسيقي مستقل، مشيراً إلى أن الغناء الكردي يعتمد على الأداء الصوتي المباشر وتقنية مرتبطة بالحنجرة، في حين تميل المدرسة العربية إلى البناء اللحني الأكثر زخرفة وتعقيداً، كما في أعمال أم كلثوم وأسمهان.
ولفت إلى استخدام إيقاعات مركبة مثل 6/8 و10/8، الذي يسمى إيقاع «جورجينا» الشائع في عدد من البيئات الموسيقية في المنطقة، مع اختلاف أساليب الأداء المحلية.
أما على مستوى الآلات الموسيقية، فأوضح أن البزق والساز والطنبور تشكل ركائز أساسية في الموسيقا الكردية، إلى جانب آلات أخرى مثل السيتار والسنتور والدودوك، مشيراً إلى أن هذه الآلات تحمل امتدادات تاريخية واسعة ضمن ثقافات المنطقة المختلفة.
ختم مراد حديثه بالتأكيد على أن قيمة الموسيقا الحقيقية تنبع من أصالتها وارتباطها العميق ببيئتها وثقافة شعبها، فكلما بقيت قريبة من جذورها الأولى وملامحها البسيطة والعفوية، ازدادت قدرةً على البقاء في الذاكرة الجمعية والتأثير في الوجدان. وأشار إلى أن التراث الموسيقي ليس مجرد مادة فنية قابلة لإعادة الصياغة بمعزل عن سياقها، بل هو انعكاس لتجربة إنسانية وهوية ثقافية تشكّلت عبر الزمن، لذلك فإن الحفاظ عليه وتقديمه بروحه الأصلية يمنحه استمرارية وحضوراً أقوى من الأعمال التي تُفقده خصوصيته عبر القوالب المستوردة أو المعالجة.
في ظل التحولات الموسيقية الحديثة، استطاعت الموسيقا الكردية المعاصرة الحفاظ على روحها التراثية رغم انفتاحها على الأنماط العالمية. وبرز عدد من الفنانين الذين قدموا الأغنية الكردية بأساليب حديثة، من بينهم جوان حاخو وخوشناف تيللو، في تجربة تجمع بين التجديد والحفاظ على الجذور.
وتبقى الموسيقا الكردية، بأصواتها الخارجة من الجبال والذاكرة والاحتفالات الشعبية، واحدة من أكثر أشكال التعبير الفني ارتباطاً بالهوية والوجدان، إذ تختزن في ألحانها تاريخاً طويلاً من الحكايات الإنسانية، والتفاعل الحضاري المشترك بين شعوب المنطقة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة