اقتصاد

المصرف المركزي السوري يواجه تحديات كبح تراجع الليرة: استراتيجيات الحاكم الجديد ومتطلبات الاستقرار النقدي

syriahomenews٢٠ أيار ٢٠٢٦ في ١٠:٠٠ ص5 مشاهدة
المصرف المركزي السوري يواجه تحديات كبح تراجع الليرة: استراتيجيات الحاكم الجديد ومتطلبات الاستقرار النقدي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "هل ينجح المصرف المركزي في كبح تراجع الليرة؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ أيار ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

تواصل الليرة السورية تراجعها الملحوظ في السوق الموازية، حيث لامست حدود 140 ليرة جديدة (ما يعادل 14 ألف ليرة قديمة) مقابل الدولار الأمريكي. يأتي هذا التدهور وسط ترقب للسياسات النقدية التي سيعتمدها الحاكم الجديد لمصرف سوريا المركزي خلال المرحلة المقبلة، في ظل تصاعد التحديات المرتبطة باستقرار سعر الصرف وتأثيراته على التضخم وتكاليف المعيشة وجاذبية الاستثمار.

وكان السيد الرئيس أحمد الشرع قد أصدر، يوم الجمعة، المرسوم رقم (99) لعام 2026، الذي يقضي بتعيين محمد صفوت عبد الرحيم رسلان حاكماً لمصرف سوريا المركزي. وقد أكد رسلان، خلال تسلمه مهامه يوم الإثنين، أن الاستقرار النقدي والمالي يمثل مساراً مؤسساتياً تراكمياً ساهمت في بنائه كوادر وجهود متعاقبة داخل المصرف. وأشار إلى أن المرحلة القادمة ستشهد العمل على تعزيز الاستقرار النقدي والمالي بشكل تدريجي ومستدام، من خلال سياسات تقوم على التدرج والاستمرارية وتعزيز الثقة، بما يدعم استقرار الاقتصاد السوري على المدى الطويل.

بين المرونة والجمود: سياسات المصرف المركزي

حدد مصرف سوريا المركزي سعر الدولار في النشرة الرسمية عند 112.5 ليرة جديدة (11,250 ليرة قديمة) للشراء، و113.5 ليرة (11,350 ليرة قديمة) للمبيع. وفي الرابع عشر من الشهر الحالي، رفع المصرف هامش الحركة السعري إلى 17 بالمئة، وهو إجراء يمنح المصارف المرخص لها بالتعامل بالقطع الأجنبي ومؤسسات الصرافة مرونة أكبر في إصدار نشرات أسعار الصرف الخاصة بها، والتسعير أعلى أو أدنى من سعر المصرف المركزي ضمن الهامش المقرر.

وعلى الرغم من الإجراءات المتعددة التي اتخذها المصرف المركزي في الفترة الماضية لتقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق السوداء، والتي شملت التعويم المدار وتوحيد أسعار الصرف وهوامش التسعير، إلا أن أثرها ظل محدوداً. ويعزو خبراء ذلك إلى جذور المشكلة، وفي مقدمتها ضعف الإنتاج، ونقص الاحتياطيات الأجنبية، وفجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات المصرفية.

رؤية الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي أن أنظمة سعر الصرف تتراوح بين المرونة الكاملة والجمود التام. وقد اختار المصرف المركزي سابقاً سياسة التعويم الموجّه (المدار)، حيث يُحدَّد السعر أساساً وفق آليات العرض والطلب في السوق، مع تدخل المصرف المركزي أحياناً لمعالجة التقلبات المفرطة أو تحقيق أهداف محددة.

وأوضح قوشجي لصحيفة “الثورة السورية” أن سوريا، قبل التحول إلى التعويم الموجّه، كانت تعتمد نظاماً إدارياً معقداً يثبت سعراً رسمياً للعملة مقابل الدولار لأغراض حكومية ورسمية، إلى جانب أسعار متعددة للقطاع الخاص، والتحويلات، والسياحة، والواردات التمويلية. وقد أدى هذا النظام إلى فجوات سعرية كبيرة، مما خلق أسواقاً موازية وسوداء، وشوّه حوافز الإنتاج والتجارة، وتسبب في ندرة الدولار في القنوات الرسمية، وانتشار الفساد والسمسرة. في المقابل، تفترض سياسة "الحر الموجّه" (نظرياً) سعراً واحداً يعكسه السوق، مع تدخل محدود وشفاف من المصرف المركزي.

وكان المصرف المركزي قد وحّد في آذار 2025 جميع نشرات سعر الصرف في نشرة واحدة باسم “النشرة الرسمية” تُطبّق على مختلف المعاملات، وحدّد سعر الصرف فيها (شراءً ومبيعاً ووسطياً) وفق معطيات السوق، مع قابليته للتعديل بحسب العرض والطلب. كما منح المصارف وشركات الصرافة مرونة التسعير ضمن هامش حركة يومي يحدده المركزي.

متطلبات نجاح سياسة سعر الصرف الحر الموجّه

لكي تنجح سياسة سعر الصرف الحر الموجّه في الظروف السورية، حدد قوشجي متطلبات رئيسة:

  • احتياطي كبير ومتنوع من العملات الأجنبية: يُعد هذا الاحتياطي "الذخيرة" التي تمكّن المركزي من الدفاع عن العملة الوطنية، ويجب أن يغطي الواردات لأشهر عدة (المعيار العالمي لا يقل عن 3 أشهر). يسهم ذلك في تعزيز ثقة المستثمرين وتقليل المضاربة، ويتيح للمصرف المركزي القدرة على التأثير في اتجاه السعر.
  • استراتيجية طموحة لإعادة بناء الاحتياطيات: عبر تفعيل الصادرات غير النفطية (الزراعة والصناعة الخفيفة) دون التأثير على أسعارها المحلية، وتسهيل تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية بحوافز ضريبية ومصرفية.
  • توفير سيولة كافية من العملات الأجنبية في الجهاز المصرفي: ضمن مفهوم "رصيد المكوث"، وهو رصيد العملات الأجنبية المتاحة للاستخدام اليومي لدى المصارف التجارية، مما يخفف الضغط على المصرف المركزي ويجعله "الملاذ الأخير". يتم تعزيز هذه السيولة بإلغاء القيود الإدارية وتطبيق معايير "بازل" المتعلقة بمراكز العملات، وإنشاء سوق ما بين بنوك نشط للدولار.
  • قدرة المصرف المركزي على التدخل عبر عمليات السوق المفتوحة: وهي الأداة المباشرة للتأثير في سعر الصرف. يفترض أن يعلن المصرف المركزي عن سعر استرشادي أو نطاق مستهدف، ليبيع الدولار عند ارتفاع سعره (انخفاض الليرة) ويشتريه عند انخفاضه المفرط (ارتفاع الليرة).
  • استقلالية السياسة النقدية: يجب ألا تُفصل سياسة سعر الصرف عن السياسة النقدية العامة، ويتطلب نظام التعويم الموجّه أن يمتلك المصرف المركزي قدرة على تحديد سعر الفائدة وسياسات السيولة دون ضغوط سياسية مباشرة.
  • إدارة توقعات السوق وبناء المصداقية: تلعب توقعات المتعاملين دوراً محورياً. على المصرف المركزي بناء مصداقية عبر الإفصاح الدوري عن حجم الاحتياطيات (بشفافية محكومة)، والالتزام بقواعد تدخل واضحة، وعدم التخلي عن السياسة فجأة.

مخاطر وتحديات تطبيق النظام الحر الموجّه في سوريا

رغم المزايا النظرية، يرى قوشجي أن تطبيق النظام الحر الموجّه في سوريا يواجه عقبات خاصة، منها:

  • الاقتصاد غير الرسمي الكبير: جزء كبير من التجارة والتحويلات يتم خارج القنوات المصرفية، مما يضعف تأثير تدخلات المصرف المركزي.
  • التضخم الموروث: عادة ما يرافق التعويم الموجّه ارتفاع مؤقت في التضخم، مما يتطلب سياسات دخل وأسعار متزامنة.
  • ضعف الثقة في النظام المصرفي: نتيجة لسيطرة الدولة على الحوالات والودائع بالعملات الأجنبية لسنوات، يفضل العديد من المواطنين الاحتفاظ بالدولار خارج المصارف.

خارطة طريق مقترحة من الخبير الاقتصادي

يقترح الدكتور قوشجي خارطة طريق متدرجة لتحقيق الاستقرار:

  • المرحلة القصيرة المدى (6–12 شهراً):
    • إطلاق منصة إلكترونية لتسعير الدولار يومياً بناءً على طلبات واستفسارات المصارف.
    • إجراء مزاد أسبوعي لبيع الدولار للمصارف بكمية محدودة (مثلاً 5 ملايين دولار) بسعر تحدده آلية المزاد.
    • إصدار تعهد رسمي بعدم العودة إلى تعدد الأسعار وتثبيتها.
  • المرحلة المتوسطة (1–3 سنوات):
    • العمل على زيادة الاحتياطي ليغطي 3 أشهر من الواردات على الأقل.
    • تطوير سوق ما بين بنوك للعملات الأجنبية مع نظام مقاصة إلكتروني.
    • رفع سقف الودائع والحوالات بالعملات الأجنبية في المصارف مع ضمانات بالحرية في السحب والإيداع.
  • المرحلة الطويلة (3–5 سنوات):
    • تحرير كامل لسعر الصرف تدريجياً مع تقليص نطاق التدخل إلى حالات الاضطراب الحاد فقط.
    • ربط السياسة النقدية بسلة عملات بدلاً من الدولار وحده لتخفيف التبعية.
    • تعزيز القطاعات التصديرية غير النفطية لتوليد تدفق مستدام من الدولار.

ويعتقد قوشجي أن انتقال سوريا من نظام سعر الصرف الثابت المتعدد إلى نظام “الحر الموجّه” يمثل خطوة ضرورية نحو اقتصاد أكثر مرونة وشفافية، لكن نجاح هذا التحول مرهون بقدرة المصرف المركزي على بناء احتياطي كبير من الدولار، وتوزيع السيولة على الجهاز المصرفي، وممارسة تدخلات ذكية في السوق المفتوحة. وحذّر من أن غياب هذه المقومات قد يحول نظام “الحر الموجّه” إلى تعويم فوضوي يزيد من عدم الاستقرار، مؤكداً أن العنصر الأهم هو استعادة الثقة بأن العملة الوطنية أداة آمنة للادخار والتبادل، وهو ما يتحقق عبر ممارسة نقدية متسقة وشفافة على مدى سنوات. وأشار إلى أن السياسة النقدية أداة وليست غاية، والغاية الحقيقية هي بناء اقتصاد منتج ومستقر يوفر فرص عمل ورفاهية للمواطن السوري.

بناء الثقة: رؤى الحاكم الجديد والمحللين

أكد الحاكم الجديد للمركزي، يوم السبت، أن استقرار الاقتصاد السوري مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تعاون الدولة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص والكفاءات السورية في الداخل والخارج، مشيراً إلى أن أي سياسة نقدية لا تكتسب قيمتها إلا عندما تنعكس بشكل حقيقي على حياة الناس واستقرارهم. وشدد رسلان على أن الثقة تُبنى بالفعل والشفافية والنتائج وليس بالكلمات، مؤكداً: "هذا ما سنعمل عليه بكل مسؤولية.. سيُقيَّم عملنا بما يتحقق على أرض الواقع لا بما يُقال في التصريحات."

من جانبه، يرى المحلل الاقتصادي شادي سليمان أن استقرار سعر الصرف يُعد حجر الأساس لإعادة بناء الاقتصاد وجذب الاستثمارات وتحسين مستوى المعيشة. وقال سليمان لصحيفة “الثورة السورية” إنه لا يمكن تحقيق استقرار سعر الصرف دون إعادة الثقة بالاقتصاد الوطني، موضحاً أن هذه الثقة تبدأ من وجود مؤسسات مالية قوية ومستقلة، وعلى رأسها المصرف المركزي، الذي يفترض أن يتبنى سياسات نقدية شفافة ويتمتع باستقلالية في القرار النقدي لضبط التضخم والتحكم بالكتلة النقدية، مما ينعكس مباشرة على استقرار العملة.

وأضاف سليمان أن زيادة الإنتاج المحلي تلعب دوراً مهماً، فكلما اعتمدت البلاد على الإنتاج بدل الاستيراد تراجع الطلب على العملات الأجنبية، مما يخفف الضغط على سعر الصرف. وأشار إلى ضرورة دعم القطاعات الإنتاجية، خاصة الزراعة والصناعة، عبر تسهيلات مالية وإصلاحات تشريعية تشجع المستثمرين المحليين والدوليين.

كما أكد سليمان أهمية توحيد سعر الصرف، لافتاً إلى أن تعدد أسعار العملة يخلق بيئة خصبة للمضاربة والفساد، مما يستدعي العمل تدريجياً على توحيد السوق الرسمية والموازية ضمن نظام صرف مرن ومدروس. وأوضح أن تعزيز الاحتياطي من العملات الأجنبية يمكن تحقيقه عبر تشجيع الصادرات واستقطاب التحويلات من الخارج وجذب الاستثمارات الأجنبية، وهي عوامل تدعم استقرار سعر الصرف. كما أن استعادة الثقة بالنظام المصرفي ستشجع السوريين في الخارج على تحويل أموالهم عبر القنوات الرسمية.

وشدد سليمان على أن السياسات المالية تلعب دوراً مكملاً، فخفض العجز في الموازنة، وضبط الإنفاق الحكومي، وتحسين النظام الضريبي، كلها عوامل تساعد في تقليل الضغوط التضخمية التي تنعكس سلباً على سعر الصرف. واختتم بالقول إن استقرار سعر الصرف في سوريا ليس مهمة مستحيلة، لكنه يتطلب رؤية اقتصادية متكاملة، وإرادة سياسية حقيقية، وإصلاحات عميقة تعيد بناء الثقة داخلياً وخارجياً، وعندها يمكن للعملة الوطنية أن تستعيد قوتها، ويبدأ الاقتصاد مسار التعافي المستدام.

شارك الخبر: