أجيال بلا هوية في سوريا: جلسة حوارية تكشف تعقيدات الجنسية بين إرث إحصاء الحسكة والمرسوم 13


هذا الخبر بعنوان "أجيال بلا هوية.. نقاش سوري عن آثار الإحصاء الاستثنائي وتحديات الجنسية" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
نظمت منظمة "سوريون من أجل الحقيقة والعدالة" جلسة حوارية يوم الأربعاء 20 أيار، تناولت خلالها إشكاليات الجنسية في سوريا. ركز النقاش على إرث الإحصاء الاستثنائي الذي جرى في محافظة الحسكة عام 1962، والتحديات التي فرضتها سنوات النزاع، بالإضافة إلى المرسوم التشريعي رقم "13" لعام 2026 الصادر عن الرئيس السوري أحمد الشرع.
عُقدت الجلسة عبر تطبيق "زووم" تحت عنوان "من الإحصاء الاستثنائي إلى تعقيدات النزاع والمرسوم 13: إشكاليات الجنسية في سوريا والعدالة الانتقالية". شارك فيها كل من القاضي رياض علي، وماريانا كركوتلي، ونوبار إسماعيل، وتوماس مكغي، وأدارتها الصحفية آريا حاجي.
تطرقت الجلسة إلى قضايا محورية مثل المرسوم "13"، وأوضاع الأطفال من أب غير سوري، والتمييز ضد النساء في قانون الجنسية السوري. كما ناقشت دور الفاعلين المحليين والدوليين في معالجة ملف الجنسية وانعدامها في سوريا.
استعرض المشاركون الخلفية التاريخية لقضية الجنسية، والتي ترتبط بالإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في محافظة الحسكة عام 1962. أدى هذا الإحصاء إلى تجريد عشرات الآلاف من الكرد السوريين من جنسيتهم، مما أسفر عن ظهور فئات "أجانب الحسكة" و"مكتومي القيد". ترتب على ذلك حرمان هذه الفئات من حقوق أساسية تتعلق بالتعليم والعمل والتنقل والتملك والتوثيق المدني.
مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011 وما تبعها من نزوح ولجوء، تفاقمت المشكلات المرتبطة بالتوثيق المدني. جاء ذلك في ظل ضعف أو انهيار مؤسسات السجل المدني، وصعوبة تسجيل الولادات والوفيات والزيجات. كما ظهرت حالات زواج غير موثقة أو عابرة للحدود، مما وسّع دائرة المهددين بانعدام الجنسية، خصوصًا الأطفال.
تناولت الجلسة أيضًا المرسوم رقم "49" لعام 2011، الذي منح الجنسية لفئات من "أجانب الحسكة"، لكنه لم يعالج أوضاع "مكتومي القيد". لاحقًا، ظهر المرسوم التشريعي رقم 13 لعام 2026 بوصفه محاولة جديدة لمعالجة بعض الإشكاليات القانونية المتعلقة بالجنسية.
أكدت الباحثة القانونية ماريانا كركوتلي أن القانون السوري الحالي يمنح الجنسية عبر الأب فقط، معتبرة أن ذلك "يهمّش دور المرأة" ويكرّس التمييز القانوني ضدها. وأضافت أن المرسوم "13" يمثل "خطوة مهمة"، لكنه "غير كافٍ لمعالجة جذور المشكلة"، مشيرةً إلى أن المظلومية المرتبطة بقضايا الجنسية "بنيوية وعابرة للأجيال".
شددت كركوتلي على أن منح النساء السوريات حق إعطاء الجنسية لأبنائهن "حق ملحّ"، معتبرة أن القوانين التمييزية تنتج مزيدًا من الهشاشة الاجتماعية والقانونية للأجيال الجديدة، وتترك آثارًا واسعة على المجتمع ككل. وترى أن مسؤولية السلطات تتمثل في إصلاح قانون الجنسية على أساس المساواة الكاملة بين الأب والأم في منح الجنسية، بما ينسجم مع مبادئ العدالة وعدم التمييز.
من جانبه، تحدث الباحث والصحفي نوبار إسماعيل عن تجربته الشخصية بعد تجريده سابقًا من الجنسية السورية، مستعرضًا ما وصفه بـ"المعاناة اليومية" التي انعكست على مختلف تفاصيل حياته. وقال إن الحرمان من الجنسية أثّر على فرصه في الدراسة والعمل، وأعاق قدرته على التنقل والسفر، فضلًا عن الصعوبات المرتبطة بالحصول على الوثائق الرسمية أو ممارسة حقوق مدنية أساسية.
وأشار إلى أن آثار انعدام الجنسية لا تقتصر على الجانب القانوني فقط، بل تمتد إلى الشعور بالعزلة وفقدان الاستقرار والانتماء، خاصة عندما تستمر هذه الحالة لسنوات طويلة وتنتقل بين الأجيال.
ركز الباحث الأكاديمي توماس مكغي خلال مداخلته على ضرورة التعامل مع الجنسية بوصفها "حقًا أساسيًا" وليس "مكرمة" تمنحها الدولة وفق اعتبارات سياسية أو ديموغرافية.
طرحت عنب بلدي سؤالًا خلال الجلسة حول كيفية التوفيق بين متطلبات السيادة الوطنية والهواجس السياسية من جهة، وحق الأفراد غير القابل للتصرف في الجنسية والهوية القانونية من جهة أخرى. ورد مكغي بأن الدول تستطيع الحفاظ على سيادتها الوطنية "من دون أن تجعل الجنسية أداة للإقصاء أو لإدارة المخاوف السياسية والديموغرافية". وأشار إلى أن القانون الدولي يعترف بحق الدول في تنظيم شؤون الجنسية، لكنه يضع حدودًا عندما يؤدي ذلك إلى خلق حالات انعدام جنسية أو حرمان جماعي من الحقوق الأساسية.
واعتبر أن تجارب عديدة حول العالم أظهرت أن "الهواجس السياسية قصيرة المدى قد تنتج أزمات طويلة الأمد تمتد عبر أجيال"، مستشهدًا بآثار الإحصاء الاستثنائي في الحسكة. وقال إن أي معالجة مستدامة يجب أن تنطلق من مبدأ أن الهوية القانونية "ليست امتيازًا تمنحه الدولة لفئة وتحجبه عن أخرى، بل حق أساسي يرتبط بالكرامة الإنسانية والاستقرار المجتمعي".
وأشار مكغي إلى أن معالجة قضايا الجنسية في سياق العدالة الانتقالية "لا ينبغي أن تُختزل في إجراءات إدارية أو مراسيم جزئية"، بل يجب أن تكون جزءًا من اعتراف أوسع بالضرر التاريخي الذي وقع على المتضررين، مع توفير ضمانات قانونية تمنع تكرار الانتهاكات مستقبلًا، خاصة بحق الأطفال والنساء والفئات التي بقيت خارج الحماية القانونية لعقود.
بدوره، قال القاضي رياض علي إن المرسوم "13" لا يكفي وحده لمعالجة آثار عقود من الإقصاء والحرمان، معتبرًا أن القضية تتطلب "معالجة أعمق" تشمل الجوانب القانونية والاجتماعية والمؤسساتية. وتحدث علي خلال الجلسة عن ضرورة التفكير في تعويض المتضررين، بما يشمل فرص العمل وإعادة دمج الفئات المتضررة في الحياة العامة، منتقدًا حصر الجنسية ضمن "إطار قانوني ضيق" بدل الاعتراف بها بوصفها "حقًا مطلقًا".
سألت عنب بلدي عمّا إذا كانت القوانين الجديدة قادرة على معالجة آثار عقود من الإقصاء، أم أن المشكلة أصبحت متجذرة في البنية الاجتماعية والنفسية والسياسية. ورد رياض علي بأن القوانين الجديدة "يمكن أن تشكل مدخلًا ضروريًا لمعالجة المشكلة"، لكنها "لا تكفي وحدها إذا كنا نتحدث عن آثار تراكمت على مدى عقود".
وأوضح أن الحرمان من الجنسية أو التوثيق القانوني لفترات طويلة لا يقتصر أثره على غياب الوثائق الرسمية، بل يمتد إلى التعليم والعمل والملكية والتنقل والمشاركة المدنية، وحتى علاقة الفرد بالدولة ومؤسساتها. وأضاف أن أي تعديل قانوني أو مرسوم، بما في ذلك المرسوم "13"، يجب النظر إليه بوصفه "خطوة ضمن مسار أوسع، لا حلًا نهائيًا"، مشيرًا إلى الحاجة لإصلاحات مؤسساتية وقضائية تضمن عدم تكرار الانتهاكات، ومعالجة الثغرات التي أبقت بعض الفئات، مثل "مكتومي القيد" والأطفال المهددين بانعدام الجنسية، خارج الحماية الكافية.
ويرى أن العدالة الانتقالية في هذا الملف لا تعني فقط إصدار نصوص قانونية جديدة، بل تتطلب أيضًا اعترافًا بالضرر الواقع، وضمانات بعدم التمييز، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة على أساس المساواة أمام القانون.
سلطت الجلسة الضوء على التحديات التي فرضتها سنوات النزاع السوري على ملف الجنسية، في ظل حالات النزوح واللجوء وفقدان الوثائق الرسمية، وما نتج عنها من تعقيدات قانونية تتعلق بإثبات النسب أو تسجيل الأطفال. كما ناقش المشاركون قضية الأطفال المولودين لأمهات سوريات وآباء أجانب أو مجهولي المصير، في ظل استمرار القيود القانونية التي تمنع النساء من منح الجنسية لأبنائهن بشكل متساوٍ مع الرجال.
وأشار المتحدثون إلى أن استمرار هذه الثغرات قد يؤدي إلى ظهور أجيال جديدة مهددة بانعدام الجنسية، إذا لم تُعالج الأسباب البنيوية والقانونية المرتبطة بالقضية. وتقاطعت مداخلات المشاركين عند ضرورة أن تكون أي معالجة مستقبلية لملف الجنسية جزءًا من مسار أوسع للعدالة الانتقالية، يتضمن إصلاحات قانونية ومؤسساتية، والاعتراف بالضرر الذي تعرضت له الفئات المتضررة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات في المستقبل.
كان الرئيس السوري، أحمد الشرع، قد أصدر المرسوم رقم "13" لعام 2026، الذي يقضي بمنح الجنسية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية جميعهم، بمن فيهم مكتومو القيد. وألغى المرسوم العمل بالقوانين والتدابير الاستثنائية كافة التي ترتبت على إحصاء الحسكة لعام 1962. وأكد المرسوم أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.
يعود ملف منح الجنسية للمواطنين من أصول كردية في محافظة الحسكة إلى الإحصاء الاستثنائي الذي أُجري في الخامس من تشرين الأول عام 1962، والذي ترتبت عليه آثار قانونية استثنائية شملت شريحة من السكان في المحافظة. أسفر الإحصاء حينها عن تجريد عشرات الآلاف من الجنسية السورية، وتصنيفهم ضمن فئتين: "أجانب الحسكة" المسجلين في قيود خاصة، و"مكتومي القيد" غير المسجلين في السجلات الرسمية. وأدى هذا الإجراء إلى حرمان المتضررين من جملة حقوق مدنية أساسية مرتبطة بالجنسية، بما في ذلك الحصول على الوثائق الرسمية، والتوظيف في القطاع العام، وتملك العقارات، إضافة إلى صعوبات في تسجيل الوقائع المدنية كالزواج والولادة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة