ثغرات قانونية وإجرائية تهدد مصير محاكمة عاطف نجيب وقادة النظام السابق في دمشق


هذا الخبر بعنوان "ثغرات "لائحة الاتهام" تهدد بفرط محاكمة عاطف نجيب في دمشق" نشر أولاً على موقع hashtagsyria.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢١ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يواجه القضاء السوري الجديد تحديًا قانونيًا مفصليًا قد يحدد مصداقيته وقدرته على إرساء سجل قضائي متماسك يصمد أمام الطعون والتدقيق الدولي. يأتي هذا التحدي في ضوء ما كشفته "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" من ثغرات تشريعية وإجرائية جوهرية شابت قرار الاتهام ومجريات التقاضي بحق العميد الركن عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، بالإضافة إلى بقية قادة "النظام السابق" الفارين من العدالة. وتثير هذه الملاحظات الحقوقية، التي تتابع المسار القضائي منذ انطلاقه بجلسة السادس والعشرين من أبريل الماضي، تساؤلات كبرى حول مدى قدرة الأحكام الصادرة على الصمود في مرحلة الاستئناف، ما لم يتم تدارك العيوب الهيكلية في صياغة صك الاتهام.
تكمن الأزمة البنيوية الأولى للمحاكمة في الفراغ التشريعي المزمن ضمن القوانين المحلية؛ حيث يفتقر قانون العقوبات السوري الحالي لأي تعريفات قانونية واضحة ومحددة لأركان الجرائم ضد الإنسانية، أو جرائم الحرب، أو الإبادة الجماعية، والاختفاء القسري، فضلاً عن غياب مفهوم "مسؤولية القيادة". ويزداد هذا القصور عمقًا بالنظر إلى القانون رقم 16 لعام 2022، الذي يتبنى تعريفًا قاصرًا للتعذيب لا يرقى إلى المعيار الدولي الوارد في اتفاقية مناهضة التعذيب، وذلك لإغفاله المتعمد لعنصري "الغاية" و"الصلة بالموظف العام". هذا القصور دفع القضاة للاستناد في توصيف الجرائم ضد الإنسانية إلى قواعد القانون الدولي الآمر والمادة 53 من اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، وهو خلط قانوني واضح، كون اتفاقية فيينا تنظم صحة المعاهدات بين الدول ولا تعنى بتعريف أركان الجرائم الجنائية أو تبيان أسس المسؤولية الفردية. يضاف إلى ذلك اتكاء اللائحة على اتفاقية عام 1968 الخاصة بعدم تقادم جرائم الحرب، رغم أن سوريا ليست طرفًا فيها بالأساس.
تمتد التناقضات القانونية لتشمل البنية الدستورية والزمنية للوقائع؛ فالمادة 49 من الإعلان الدستوري تثير إشكالية حادة بانتهاكها مبدأ "عدم رجعية القوانين"، وحرمان أركان النظام السابق حصراً من هذه الحماية، مما يصطدم مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. يضاف إلى ذلك خطأ تاريخي فادح يتعلق بالتطبيق الزمني لإطار جرائم الحرب على أحداث درعا في شباط/ فبراير 2011، وهي الفترة التي سبقت عتبة النزاع المسلح غير الدولي وفقًا للتقييمات الاسترجاعية للجنة التحقيق الدولية المستقلة (التي حددت بداية النزاع في شباط/ فبراير 2012) والصليب الأحمر الدولي (تموز/ يوليو 2012). هذا يجعل إسباغ وصف "جرائم الحرب" على تلك الحقبة المبكرة خطأً قانونيًا يسهل نقضه استئنافيًا.
لم تتوقف الهنات عند الحدود الموضوعية، بل امتدت لتطال الضمانات الإجرائية للمحاكمات الغيابية التي شملت بشار الأسد وماهر الأسد وفهد جاسم الفريج وخمسة قادة أمنيين آخرين، أعلنتهم المحكمة فارين من وجه العدالة وقررت حجز أموالهم. يفتقر السجل العام للإجراءات لتوثيق محاولات التبليغ وأسباب فشلها، ولا يؤكد تعيين محامين يمثلون المصالح القانونية للغائبين.
تأتي هذه العيوب الإجرائية رغم خطورة الوقائع التي تليت في جلسة العاشر من أيار/ مايو الجاري، والتي توثق فظائع أمنية دامية ارتكبها فرع الأمن السياسي في درعا. شملت هذه الفظائع عمليات تعذيب وحشية بالصعق الكهربائي أفضت إلى موت معتقلين بينهم أطفال، واستهداف المتظاهرين بالرصاص الحي عبر قناصة اعتلوا المباني الحكومية، واقتحام المسجد العمري مع منع إسعاف المصابين واحتجاز الحافلات الطبية، فضلاً عن تحويل الاعتقال العشوائي لوسيلة ابتزاز ممنهجة بحق الأهالي.
تضع هذه المحاكمة المنظومة القضائية الجديدة أمام مرآة مصداقيتها؛ فبينما يمثل جلوس عاطف نجيب في قفص الاتهام بقصر العدل بدمشق لحظة إنصاف رمزية لضحايا درعا، فإن بقاء الوجوه الثمانية الأخرى غائبة وسط ثغرات تمنح الدفاع مستقبلاً طوق نجاة سهلاً، يحول القضية من إنجاز تشريعي تاريخي إلى انتكاسة قضائية، ما لم تتوفر إرادة قضائية شجاعة تجري تسبيبًا قانونيًا صريحًا ومعالجة فورية للأبعاد الخمسة المعيبة في متن هذه المحاكمة قبل صياغة الأحكام النهائية.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة