الزمن والإنسان: مفارقات رحلة لا تنتهي من القلق والبحث عن الذات


هذا الخبر بعنوان "حكاية الزمان…" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم المهندس محمود محمد صقر:
الزمن كائنٌ غريبٌ حقًا؛ فكلما سعى الإنسان جاهداً لتنظيمه عبر الروزنامات والساعات، أدرك متأخراً أن "الوقت الضائع" هو في الحقيقة أكثر ما يمتلكه. لم تبدأ حكاية الزمن بدقات أول ساعة، ولا بتعلم البشر عد الأيام على الرمال، بل انطلقت لحظة شعور الإنسان الأول بالخوف من الغد. ومنذ تلك اللحظة المحورية، ظل البشر يركضون بلا توقف خلف المستقبل، ليجدوا أنفسهم عند بلوغه يجلسون في المقاهي متأسفين على ما فات من الماضي.
في فجر الحضارات، كان الإنسان يرفع بصره نحو السماء متطلعاً للآلهة، ومع نضوج وعيه، تحول بحثه ليصبح عن ذاته. ومع توالي القرون، كان يظن أنه قد اكتسب المزيد من الحكمة، بينما لم يكن يفعل سوى تغيير شكل أخطائه القديمة.
حتى الإمبراطوريات، التي كانت تبدو واثقة من خلودها، انتهى بها المطاف لتصبح مجرد فصل صغير في كتاب التاريخ، يراجعه طالبٌ مُنهك قبل ليلة من امتحانه.
لقد تبدلت مصادر الخوف؛ فالإنسان القديم كان يخشى الرعد، بينما يرتعد الإنسان الحديث من رسالة نصها: "نرجو مراجعة الإدارة صباحًا." الأدوات وحدها هي التي تغيرت، أما القلق فما زال يعمل بكفاءة متناهية منذ فجر الحضارة.
ولم تسلم الحروب من هذا التطور؛ فبعد أن كانت تُخاض بالسيوف في الماضي، أصبحت اليوم تُدار عبر المؤتمرات، ليخرج بعدها الجميع في صور جماعية مبتسمين.
مع دخول العالم عصر السرعة، ظن البشر أنهم باتوا أقرب إلى الراحة المنشودة. لكن الواقع أثبت أن كل شيء بات يركض بلا هوادة: المدن، الأسواق، الأخبار، الهواتف، وحتى الخوف نفسه أصبح أسرع من ذي قبل.
في الماضي، كان الرجل يسافر شهراً كاملاً ليصل إلى مدينة نائية، ويعود حاملاً في جعبته حكايات تكفيه لعام بأكمله. أما اليوم، فيستطيع الإنسان عبور نصف الكرة الأرضية في ساعات معدودة، ليقول عند وصوله: "آسف... لا وقت لدي."
ثم بزغت التكنولوجيا حاملة وعداً بتحويل العالم إلى قرية صغيرة. وبالفعل، أصبح العالم قرية صغيرة جداً، لكن سكانها توقفوا عن زيارة بعضهم البعض. صرنا نطلع على أخبار الحروب فور اندلاعها، بينما نكاد نجهل ما يدور داخل بيوت أصدقائنا المقربين.
كل عصر يظن أنه أذكى من سابقه، ليورث الأجيال اللاحقة كمية "محترمة" من الفوضى، تدفعها بدورها للعن سلفها.
أما الإنسان، ذلك الكائن المدهش، فما زال منذ آلاف السنين يبني المدن، ويصوغ القوانين، ويخترع الآلات المعقدة، ثم يعود في المساء ليساوره القلق بشأن أمور لا يراها أصلاً.
وربما تتلخص حكاية الزمان برمتها في أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يتعثر بالحجر ذاته، ثم يعود بعد قرون ليحيطه بالأسوار، ويكتب فوقه الخطب، ويختلف مع الآخرين على تفسيره، ثم يعلن أخيراً، بشيء من الزهو: "هنا بدأت الحضارة."
المصدر: موقع أخبار سوريا الوطن
منوعات
منوعات
منوعات
منوعات