الحسكة: تحركات مكثفة لأوقاف المحافظة لإعادة ضبط الخطاب الديني وأملاك الوقف بعد سنوات الحرب


هذا الخبر بعنوان "أوقاف الحسكة تتحرك لمعالجة أملاك الوقف والخطاب المتشدد.. هل تنجح؟" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد محافظة الحسكة تحركات متسارعة من قبل مديرية الأوقاف خلال الأشهر الأخيرة، تهدف إلى إعادة تنظيم القطاع الديني. شملت هذه التحركات جولات ميدانية واسعة في المدن والأرياف، وإعادة تسجيل المساجد، بالإضافة إلى تفعيل الثانويات الشرعية. تتزامن هذه الجهود مع مساعٍ حثيثة لإعادة تنظيم ملف أملاك الوقف وضبط الخطاب الديني في مناطق عانت من تعدد المرجعيات الدينية والإدارية على مدى السنوات الماضية. تأتي هذه المبادرات في محافظة شهدت خلال سنوات الحرب تراجعًا ملحوظًا في حضور المؤسسات الدينية الرسمية، وتضرر عدد من المساجد، فضلاً عن ظهور تحديات تتعلق بالخطاب الديني في مناطق معينة، منها الشدادي والهول ومركدة، التي شهدت نشاطًا لتنظيم "الدولة الإسلامية".
صرح محمد الحسين، مدير أوقاف الحسكة، لعنب بلدي، بأن المديرية أجرت جولات ميدانية في مناطق تقع تحت سيطرة الحكومة السورية، شملت رأس العين ومركدة والشدادي والعريشة وتل براك وتل حميس واليعربية. وأوضح أن الهدف من هذه الجولات هو "تعزيز التواصل مع العاملين في المساجد والاطلاع على واقع العمل الدعوي والتحديات التي يواجهها". وأشار الحسين إلى أن الجولات تضمنت لقاءات مع الأئمة والخطباء والعاملين في المساجد، وتقديم منح مالية مؤقتة، وتنظيم عمل المساجد إداريًا، واصفًا ذلك بـ"المرحلة التأسيسية" لعمل المديرية.
غير أن هذه التحركات، بحسب متابعين، تثير قضايا أكثر حساسية تتعلق بواقع الخطاب الديني، وملف أملاك الوقف، بالإضافة إلى آليات التعامل مع تداعيات سنوات الحرب والتحولات الأمنية التي شهدتها المحافظة.
في سياق متصل، ذكر الشيخ عبد الرحمن العلي، إمام وخطيب مسجد في ريف الحسكة الشمالي، لعنب بلدي، أن العديد من مساجد الأرياف عانت خلال السنوات الماضية من "ضعف الإشراف الديني وتراجع التأهيل العلمي لبعض العاملين فيها". وعزا ذلك إلى الظروف الأمنية والانقسام الإداري الذي ساد المنطقة.
وأوضح العلي أن عددًا من المساجد فقدت دورها المجتمعي خلال فترة الحرب، واقتصرت مهام بعضها على أداء الشعائر الدينية فقط، بينما توقفت حلقات التعليم الديني في مناطق كثيرة، قبل أن تستأنف نشاطها تدريجيًا في الآونة الأخيرة.
وأكد الشيخ العلي أن بعض المناطق، لا سيما تلك التي شهدت وجودًا سابقًا لتنظيم "الدولة الإسلامية"، ما زالت بحاجة إلى "جهد فكري ودعوي طويل الأمد". ورأى أن "مواجهة الفكر المتشدد لا تقتصر على الخطب فحسب، بل تتطلب التعليم والتأهيل والحضور المجتمعي الفاعل للمساجد".
من جانبه، أفاد محمد الحسين، مدير أوقاف الحسكة، بأن المديرية تسعى لتعزيز "خطاب ديني وسطي ومعتدل"، مستندة إلى رؤية وزارة الأوقاف التي تشدد، على حد قوله، على "وحدة الخطاب الإسلامي وترشيده".
وأوضح الحسين أن المديرية تؤمن بأن "الإسلام الذي جاء به النبي هو دين يقوم على الاعتدال والوسطية". وأشار إلى أن الخلافات القائمة بين المدارس والتيارات الإسلامية السنية هي "خلافات قديمة"، مما يستدعي "تقريب وجهات النظر وترشيد الخطاب الديني بعيدًا عن الغلو والتشدد أو الإفراط والتفريط".
وأضاف أن المديرية تسعى إلى "تعزيز خطاب يوحد الكلمة وينبذ التفرق"، مؤكدًا أن المنهج الذي تتبعه الوزارة "يقوم على الوسطية والاعتدال".
تكتسب قضية الخطاب الديني حساسية خاصة في مناطق مثل الشدادي والهول ومركدة، التي كانت مسرحًا لنشاط تنظيم "الدولة الإسلامية" قبل أن تستعيدها قوى محلية بدعم من التحالف الدولي.
ويرى الباحث في الشؤون الدينية، عبد الله الأحمد، أن التحدي في الحسكة لا يقتصر على مجرد إعادة افتتاح المساجد أو تنظيمها إداريًا، بل يمتد إلى "إعادة بناء الثقة بالخطاب الديني بعد سنوات من الفوضى والتوظيف السياسي والديني".
وأوضح الأحمد لعنب بلدي أن المناطق التي شهدت وجود تنظيمات متشددة تتطلب "برامج طويلة الأمد لإعادة التأهيل الفكري والاجتماعي"، معتبرًا أن الاكتفاء بالشعارات التي تدعو إلى الوسطية "لا يكفي بمفرده".
وأضاف أن نجاح أي مؤسسة دينية في هذه المناطق مرهون بقدرتها على "إنتاج خطاب يلامس المجتمع ويعالج المشكلات الاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت في الأصل بانتشار التطرف".
وأشار الباحث إلى أن تعدد المرجعيات الدينية والإدارية خلال سنوات الحرب أحدث "حالة من التشتت"، مما يجعل عملية إعادة تنظيم المجال الديني أكثر تعقيدًا وتتجاوز الجانب الإداري.
إلى جانب ملف الخطاب الديني، يبرز ملف أملاك الوقف كأحد أكثر القضايا تعقيدًا في الحسكة، خاصة مع تكرار الحديث عن تعديات ومشكلات قانونية طالت عقارات وقفية خلال سنوات الحرب وتغير السيطرة على مناطق متعددة.
ووفقًا لمدير أوقاف الحسكة، محمد الحسين، تتركز الأملاك الوقفية بشكل رئيسي في مدن الحسكة والقامشلي والمالكية ورأس العين، بينما هي محدودة في بقية المناطق.
وأفاد الحسين بأن منطقة رأس العين تُعتبر "المنطقة الوحيدة الخاضعة لسيطرة الحكومة التي تحوي أملاكًا وقفية واسعة"، مشيرًا إلى أن هذه الأملاك "تعرضت لتفريط كبير خلال حقبة النظام البائد"، على حد تعبيره.
وأضاف أن عددًا من المحال الوقفية "بيع خلال السنوات الماضية، بما في ذلك محال تُعد من أفضل المواقع التجارية"، بالإضافة إلى وجود أراضٍ زراعية وقفية في المنطقة.
وأوضح أن مديرية الأوقاف تعمل حاليًا، بالتنسيق مع الجهات المعنية، على استرداد أملاك الوقف في رأس العين، من خلال لجنة مختصة تتابع هذا الملف وتسعى لمعالجة التجاوزات التي طالت الأملاك الوقفية.
كما أشار إلى أن المديرية شرعت في عملية حصر للأملاك الوقفية ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، وذلك بمراجعة الوثائق المتوفرة لديها أو لدى شاغلي العقارات الوقفية.
وأضاف أن العمل يتضمن "تنظيم وتصحيح الأوضاع القانونية للعقارات الوقفية عبر إبرام العقود وتجديدها وفق الأصول المعتمدة"، بما يضمن، على حد قوله، "حفظ حقوق الوقف وتنظيم استثماره".
وصرح الحسين بأن المديرية تعتزم، في مرحلة لاحقة، التعاون مع مديرية الأملاك الوقفية في الوزارة ودوائر الاستثمار الوقفي "لوضع خطط مناسبة تسهم في تطوير إدارة الوقف وتعظيم الاستفادة منه بما يخدم العمل الدعوي والمصلحة العامة".
في إطار إعادة تنظيم القطاع الديني، أعلنت مديرية أوقاف الحسكة مؤخرًا عن تسجيل 923 مسجدًا في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة السورية، يعمل فيها أكثر من ألفي شخص من أئمة وخطباء وعاملين.
كما أفادت المديرية بإحصاء عشرات المساجد التي تستضيف حلقات لتعليم القرآن الكريم، بالإضافة إلى افتتاح "معاهد الفرقان"، وتفعيل ثانويات شرعية في رأس العين واليعربية، مع وجود خطط لافتتاح ثانويات أخرى في الشدادي وتل حميس وتل براك.
تعكس هذه الخطوات محاولة لإعادة إحكام الإشراف الرسمي على القطاع الديني بعد سنوات من التراجع والانقسام الإداري، في ظل استمرار المحافظة في شهد تغيرات واسعة في بنيتها الإدارية والخدمية.
وعلق الباحث في الشؤون الدينية، عبد الله الأحمد، بأن نجاح هذه التحركات "لن يُقاس بعدد الجولات أو المساجد المسجلة"، بل بمدى قدرة المؤسسة الدينية على "استعادة دورها المجتمعي وتقديم خطاب متوازن ومعالجة الملفات الحساسة المرتبطة بالتشدد وأملاك الوقف والتعليم الديني".
في المقابل، تؤكد مديرية الأوقاف أن المرحلة الراهنة تتطلب "جهدًا كبيرًا" بعد سنوات من تراجع التعليم والدعوة، وأنها تسعى لبناء "عمل متكامل يخدم المجتمع" بالتعاون مع مؤسسات الدولة والمجتمع المحلي.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي