وزارة الأوقاف السورية تفرض ميثاقًا لضبط الخطاب الديني: توقيع إلزامي للأئمة والخطباء


هذا الخبر بعنوان "“الأوقاف السورية” تستعجل تطبيق ميثاق الخطاب الديني" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بدأت وزارة الأوقاف السورية بتطبيق إجراءات تلزم أئمة وخطباء المساجد بالتوقيع على "تعهد الالتزام بميثاق وحدة الخطاب الإسلامي". تهدف الوزارة من خلال هذه الخطوة إلى ضبط الخطاب الديني وتعزيز "الوسطية والاعتدال" داخل المساجد. وكانت عنب بلدي قد نشرت ملفًا متكاملًا في آذار الماضي حول ميثاق "وحدة الخطاب الإسلامي"، متناولةً أبرز بنوده والظروف التي أدت إلى إنشائه، ومستعرضةً الحالة الدينية في سوريا قبل وخلال وبعد الثورة السورية.
كما ناقشت عنب بلدي مع خبراء ومختصين تأثير الخطاب الديني السائد على السلم الأهلي في سوريا، والتحديات التي تواجه الوصول إلى صيغة الاعتدال الديني، خاصة بعد أحداث العنف الدموية التي شهدتها البلاد في الساحل والجنوب السوري.
وفقًا لنص التعهد الصادر عن مديرية أوقاف ريف دمشق في وزارة الأوقاف السورية، والذي حصلت عنب بلدي على نسخة منه، يقرّ الإمام أو الخطيب الموقّع باطلاعه الكامل على الميثاق والتزامه بجميع بنوده. يشمل ذلك "نبذ الفرقة والخلافات المذهبية"، واحترام "المرجعيات الدينية الراسخة"، والعمل على "توحيد كلمة المسلمين".
يتضمن التعهد أيضًا التزامًا بعدم استخدام "الصفة الدينية لأغراض مدرسية أو فئوية"، والحفاظ على "حرمة المساجد". كما يلزم بحذف أي منشورات سابقة تخالف مضمون الميثاق، وعدم نشر أي محتوى مخالف له عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وينص التعهد على أن مخالفة بنود الميثاق قد تعرّض الإمام أو الخطيب لـ"المساءلة القضائية والإدارية". ويُطلب من الأئمة والخطباء توقيع التعهد رسميًا، مع تدوين الاسم والتاريخ والصفة الدينية والمسجد التابع له.
في ظل التحولات التي تشهدها سوريا بعد سنوات الحرب والانقسام، برز حديث واسع حول "ميثاق الخطاب الديني" الذي تعمل عليه وزارة الأوقاف بهدف ضبط المنابر الدينية والحد من الخطابات التحريضية والفئوية. أوضح مسؤول في الوزارة، فضّل عدم ذكر اسمه، أن الدافع الأساسي لإعداد الميثاق يتمثل في "حالة الانقسام الحاد التي شهدها المجتمع السوري خلال سنوات الثورة، وما رافقها من ظهور خطابات طائفية وتحريضية وفتنوية، حتى داخل بعض الأوساط الملتزمة دينيًا".
وأضاف المسؤول أن المشكلة برزت بشكل خاص لدى بعض الشباب حديثي الالتزام، الذين يتعاملون مع الدين "بعقلية الاندفاع لا التدرج"، موضحًا أن "البعض يريد تطبيق كل الأحكام دفعة واحدة، ويرفض أي مساحة للاجتهاد أو تعدد الفهم، ويتمسك دائمًا بالأشد". وذكر بضرورة الالتزام والطاعة لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة الله".
وبحسب المسؤول، فإن توسع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب الظروف السياسية والعسكرية التي عاشتها البلاد خلال 14 عامًا، ساهم في تكريس هذه الظواهر، ما دفع الوزارة إلى "وضع إطار عام يضبط البوصلة الدينية ويحمي المجتمع من الانزلاق نحو الفتن".
عن أسباب تسريع العمل على الميثاق، أوضح المسؤول أن الوزارة رصدت خلال السنوات الماضية "وقائع متعددة" تتعلق بخطباء وأئمة ومدرسين ودعاة على وسائل التواصل الاجتماعي. وأشار إلى أن بعضهم "لم يكتفِ بتخطئة المخالف، بل وصل إلى التفسيق والتبديع، وأحيانًا التعامل مع رأيه باعتباره الدين الوحيد الصحيح". واعتبر أن هذا المسار "خطير جدًا"، لأنه قد يبدأ بالتشدد الفكري وينتهي إلى التكفير واستباحة الدماء، مضيفًا أن المجتمع السوري "شهد خلال الفترة الماضية نماذج من الهجوم على مدارس علمية، وأئمة كبار في التراث الإسلامي، مثل الإمام يحيى بن شرف النووي".
وحول المقصود بعبارة "احترام المرجعيات الدينية الراسخة" الواردة في الميثاق، قال المسؤول إن النصوص الدينية قد تحتمل أكثر من فهم، لكن "ليس كل فهم يعد صحيحًا أو معتبرًا". موضحًا أن المدارس الفقهية والعلمية الكبرى لم تتشكل "باجتهاد فردي عابر"، وإنما عبر "قرون طويلة من التنقيح والتمحيص والنقد العلمي". وأضاف: "حين نتحدث عن المذاهب الفقهية، فنحن لا نتحدث عن رأي شخص واحد، بل عن تراكم علمي شارك فيه آلاف العلماء عبر مئات السنين، وضعوا أصول العلوم الشرعية وضبطوا مساراتها، ولذلك فإن الرجوع إلى المرجعيات الراسخة يمثل حماية للمجتمع من القراءات الشاذة والمتشددة". وعلى سبيل المثال، أوضح المسؤول، أن مذهب الإمام الشافعي ليس اجتهاد الإمام الشافعي وحده، بل هو ثمرة جهود الإمام وتلاميذه ومن جاء بعدهم خلال مئات السنين، حيث جرى تنقيح الأقوال وتمييز الصحيح من الشاذ.
فيما يتعلق بمنع استخدام الصفة الدينية لأغراض "مدرسية أو فئوية"، أكد المسؤول أن الوزارة تفرق بين "المنابر العامة" و"المنابر الخاصة". وقال إن خطبة الجمعة والدروس العامة في المساجد "هي منابر موجهة لكل السوريين، ووظيفتها تعزيز المشتركات، وترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، لا الترويج لتيار فكري أو سياسي أو مذهبي بعينه". وأضاف: "لا يجوز للخطيب أن يستغل منبر الجمعة للدعوة إلى مدرسة عقدية محددة، أو إلى توجه حزبي أو فكري، سواء كان أشعريًا أو سلفيًا أو إخوانيًا أو غير ذلك". وبحسب المسؤول، فإن القضايا الفكرية الخاصة "لها ساحاتها ومنابرها الخاصة"، بينما يجب أن يبقى الخطاب الديني العام جامعًا لا مفرقًا.
وعن آليات متابعة تطبيق الميثاق، أوضح المصدر أنه لا توجد "إجراءات استثنائية" بقدر ما يوجد "اعتماد على وعي المجتمع وتعاونه"، مشيرًا إلى أن الوزارة تتلقى شكاوى من المصلين والمواطنين حول بعض الخطب أو الدروس التي تتضمن خطابًا تحريضيًا أو فئويًا. كما لفت إلى وجود إدارات مختصة داخل الوزارة، مثل إدارات شؤون المساجد والحلقات التربوية، تتولى متابعة أداء الخطباء والمدرسين والدعاة في مختلف المناطق.
أكد المسؤول أن الالتزامات الواردة في الميثاق تشمل أيضًا المنشورات القديمة على الحسابات الشخصية للدعاة والخطباء، مبينًا أن بعض الأشخاص "كانوا يلتزمون بعدم تكرار المخالفات، لكنهم يتركون المحتوى القديم منشورًا على صفحاتهم، ويستمر تداوله بين الناس"، لذلك جرى التشديد على معالجة هذا المحتوى أيضًا. وحول الإجراءات المتبعة بحق المخالفين، قال المسؤول إن الوزارة تعتمد مسارًا إداريًا متدرجًا يبدأ بالتنبيه الشفهي أو الإنذار الخطي، وقد يصل إلى الإيقاف المؤقت عن الخطابة أو التدريس. وقد تتطور العقوبات في بعض الحالات إلى "إنهاء التكليف بشكل دائم أو نزع الصفة الدينية"، ما يعني منع الشخص من المشاركة في أي نشاط ديني رسمي. أما إذا تضمنت المخالفات "قدحًا أو ذمًا أو تحريضًا أو مخالفات إلكترونية"، فقد تُحال إلى القضاء المختص عبر إدارة القضايا في الوزارة.
ردًا على سؤال عنب بلدي، حول مدى قابلية تطبيق الميثاق على جميع المكونات في سوريا، شدد المسؤول على أن الوزارة تنظر إليه باعتباره "إطارًا عامًا موجهًا للجميع". وأوضح أن العمل على صياغته استمر "أشهر طويلة"، بهدف الوصول إلى صيغة قابلة للتطبيق وتحظى بأوسع قدر ممكن من التوافق. واختتم حديثه بالتأكيد أن سوريا تمر "بمرحلة حساسة تتطلب تغليب المصلحة العامة على الخلافات الحزبية والمذهبية والفكرية". وقال إن الهدف الأساسي من الميثاق هو "منع الفتن والانقسامات التي قد تعيق بناء مؤسسات الدولة"، مع التشديد في الوقت نفسه على أن الميثاق "لا يمنع انتقاد الأخطاء الواضحة أو إبداء الرأي". وهناك فرق بين الخلافات الاجتهادية التي يمكن تأجيلها، أو التخفف منها في هذه المرحلة، وبين الأخطاء الواضحة التي يجب التنبيه عليها، قال المسؤول، وأن المطلوب اليوم، هو خطاب يجمع السوريين لا خطاب يعيد إنتاج الانقسامات.
أعلنت وزارة الأوقاف، في شباط الماضي، عن إطلاق ميثاق ضمن مؤتمر "وحدة الخطاب الإسلامي" بحضور مئات رجال الدين الإسلامي، والرئيس السوري، أحمد الشرع. وبحسب ما ورد في الميثاق، فإنه جاء ثمرة لورشات علمية وحوارية بين المدارس العلمية والدعوية، بحضور أكثر من 1500 عالم ورجل دين إسلامي سوري. ووفق ما جاء في تعريفه، يعد هذا الميثاق عقدًا وطنيًا جامعًا لأهل العلم والدعاة من أهل السنة والجماعة في سوريا، بمختلف مدارسهم، ويهدف إلى توحيد كلمتهم في القضايا العامة، تحت مظلة الآية القرآنية "إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون".
يرى الشيخ الدكتور أحمد عبد الرحمن إبراهيم، إمام وخطيب ومدرس في مساجد دمشق وريفها، أن مؤتمر "وحدة الخطاب الإسلامي" يمثل خطوة مفصلية في سياق إعادة تنظيم الخطاب الديني في البلاد، بعد سنوات من التحديات الفكرية والاجتماعية التي انعكست على المنابر والمؤسسات الدينية. أهمية المؤتمر لا تقتصر على كونه اجتماعًا علميًا للدعاة والخطباء، بل تكمن في كونه محاولة لوضع إطار مرجعي جامع يعيد توجيه الخطاب الديني نحو قضايا المجتمع والوطن، بحسب الدكتور إبراهيم.
وفكرة توحيد الخطاب الديني ليست طارئة في الفكر الإسلامي، بحسب إبراهيم، بل لها جذور في تجارب الإصلاح الديني التي ظهرت في مراحل مختلفة من التاريخ الإسلامي، عندما سعى العلماء إلى تحقيق مرتكزات أساسية تمثلت بـ: ضبط الفتوى، تنظيم المنابر، منع الفوضى في الخطاب الديني. وقال الدكتور أحمد إبراهيم، في حديث سابق لعنب بلدي، إن المؤتمر السوري جاء في هذا السياق، مستندًا إلى إرث علمي طويل في مدارس الشام التي عُرفت تاريخيًا بـ"الاعتدال والانفتاح الفقهي".
يعتبر الشيخ الدكتور أحمد عبد الرحمن إبراهيم، أن الدعوة إلى توحيد الخطاب الإسلامي جاءت استجابة لحاجة واقعية فرضتها الظروف التي مرت بها سوريا خلال السنوات الماضية، حيث تعددت مصادر الخطاب الديني وتباينت رسائله في بعض الأحيان، الأمر الذي استدعى، كما قال، "إعادة تنظيم هذا المجال ضمن إطار علمي واضح". وظهرت فكرة توحيد المرجعية الدينية في تاريخ الدولة الإسلامية بأكثر من مرحلة، ومن أشهرها تنظيم الفتوى والقضاء في العهدين العباسي والعثماني، عندما كانت هناك مرجعية علمية تضبط الفتوى وتحافظ على وحدة المجتمع. وأضاف إبراهيم أن كتب السياسة الشرعية عند العلماء، مثل الإمام ابن تيمية في كتابه "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية"، والإمام الماوردي في كتابه "الأحكام السلطانية"، تحدثت عن أهمية تنظيم الشأن الديني بما "يحقق مصلحة المجتمع ويحفظ الاستقرار".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة