حلب تستقبل العيد بأسواق خاوية: عائلات عاجزة عن كسوة أبنائها في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة


هذا الخبر بعنوان "في حلب.. العائلات تعجز عن كسوة العيد والأسواق شبه خالية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ أيار ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
في مشهد يعكس واقعاً اقتصادياً مؤلماً، تجولت أمونة العلي في أحد أسواق حلب القديمة، ممسكة بيد طفلها الأصغر، وعيناها تتتبعان أسعار الألبسة المعروضة بخيبة أمل واضحة. بعد ساعات من البحث المضني، اضطرت العلي لمغادرة السوق مكتفية بشراء بعض الألعاب البسيطة لأطفالها، بعد أن أدركت أن تأمين كسوة العيد هذا العام بات أمراً يفوق قدرتها المالية بكثير. وتوضح العلي أن الأسعار "لم تعد تتناسب مع دخل الناس"، مشيرة إلى أنها اضطرت للتخلي عن شراء الملابس لأبنائها بسبب الغلاء الفاحش ونقص السيولة، قائلة: "حاولت ألا يشعر الأطفال بالحرمان، فاشتريت لهم ألعاباً بسيطة بدل الثياب".
تستقبل أسواق حلب قبيل عيد الأضحى بهدوء غير مألوف، حيث تراجعت الحركة التجارية التي كانت تضج بها الشوارع والأسواق الشعبية في مثل هذا الوقت من كل عام بشكل لافت. تتصاعد شكاوى السكان والتجار على حد سواء من الارتفاع الجنوني للأسعار وتدهور القدرة الشرائية، وذلك في ظل أزمة اقتصادية خانقة مستمرة وانخفاض متسارع في قيمة الليرة السورية.
وفي مشهد مشابه من سوق آخر بالمدينة، يقف أبو حمدو، مساعد مهندس متقاعد وأب لأربعة أطفال، في محاولة يائسة لحساب ما يمكن شراؤه بأقل الخسائر الممكنة. يعبر أبو حمدو عن حال الناس قائلاً: "الناس محتارة وضايعة، والسيولة مفقودة بين أيدي الناس"، مؤكداً أن العديد من العائلات باتت عاجزة عن تأمين حتى مستلزمات العيد الأساسية. ويشير إلى أن تكلفة كسوة الطفل الواحد تبلغ وسطياً نحو 500 ألف ليرة سورية، وهو مبلغ يتجاوز بكثير قدرة معظم الأسر في ظل محدودية الدخل وضعف الرواتب. ويضيف بحسرة: "بدل ما أشتري بدلتين لكل ولد، صرت أكتفي ببدلة واحدة فقط".
هذا التراجع الحاد في القدرة الشرائية انعكس بشكل مباشر على الأسواق، حيث يؤكد التجار أن الحركة التجارية الحالية هي الأضعف منذ سنوات. يروي عاكف حلاق، تاجر ألبسة عاد إلى سوريا من ألمانيا بعد 15 عاماً من الاغتراب، أن "الأسواق تكاد تكون خالية من الناس"، موضحاً أن الارتفاع المتواصل في سعر صرف الدولار وتكاليف الاستيراد أثّرا بشكل مباشر على الأسعار وحركة البيع. ويضيف حلاق أن سعر الدولار الذي كان بحدود 9 آلاف ليرة سورية العام الماضي، تجاوز اليوم 14 ألفاً، مما رفع تكلفة القطعة الواحدة من 5 دولارات إلى 8 دولارات وأكثر. ووفقاً لـحلاق، فإن ارتفاع أسعار الأقمشة والرسوم الجمركية والضرائب، بالإضافة إلى تكاليف الإيجارات والعمالة، قد زاد من الضغوط على أصحاب المحال. ويقول: "القماش غلي، والجمارك والمالية والضرائب زادت علينا العناء أكثر، وحتى أجور الصناع والإيجارات أصبحت عبئاً كبيراً". ويشير إلى أنه عاد إلى سوريا "بعد التحرير مباشرة" بهدف العمل والمساهمة في إعادة بناء البلاد، وقد شجعه استقرار سعر الصرف في البداية على افتتاح متجر للألبسة، قبل أن تتدهور الأوضاع الاقتصادية مجدداً. ويتابع: "رجعنا حتى نشتغل ونساعد ببناء البلد، وكان الوضع بالبداية جيداً والدولار محافظاً على مستواه بين 8 و9 آلاف، لكن وصوله إلى 14 ألفاً أمر صعب وغير مقبول". كما ينتقد حلاق غياب التوضيحات الرسمية بشأن ارتفاع الأسعار، قائلاً: "نتفاجأ كل فترة بقرارات غلاء المازوت والكهرباء والدولار، من دون أن يخرج أحد لتوضيح أسباب الغلاء".
من جانبه، يصف محمد فاعور، صاحب محل لبيع الأحذية، حركة السوق بأنها "ضعيفة جداً"، مؤكداً أن المشكلة الأساسية تكمن في عدم تناسب الرواتب مع تكاليف المعيشة الحالية. ويذكر أن ارتفاع أسعار المواد الأساسية، من الغذاء إلى اللحوم والخضار، دفع العديد من العائلات إلى تأجيل شراء كسوة العيد أو الاستغناء عنها بالكامل. ويشرح فاعور أن صناعة الأحذية تعتمد على مواد أولية تتأثر مباشرة بتقلبات سعر الصرف، مضيفاً: "الحذاء يمر بعدة مراحل تجميع، من الوجه إلى النعل والقماش، وعدم استقرار الدولار يرفع تكلفة كل قطعة". كما يشير إلى أن الضرائب المفروضة على أصحاب المحال قد زادت من الأعباء المالية على التجار، موضحاً أن ضريبة الدخل المقطوع المفروضة على متجره ارتفعت من أربعة ملايين إلى ستة ملايين ليرة سورية خلال فترة قصيرة.
في مدينة اعتادت أن تتحول أسواقها إلى مساحة للاحتفال الجماعي قبل الأعياد، يبدو المشهد هذا العام مختلفاً تماماً. واجهات المحال المضيئة لم تعد تنجح في جذب الزبائن كما في السابق، فيما يكتفي الكثير من الأهالي بالتجول أو شراء الحد الأدنى من الاحتياجات، في محاولة للتكيف مع واقع اقتصادي يزداد قسوة عاماً بعد آخر. وعند مغادرته السوق، يلخص أبو حمدو حال العديد من العائلات بكلمات قصيرة تختلط فيها الحسرة بالأمل، قائلاً: "نحن لا نريد أكثر من أن نفرح أولادنا بالعيد مثل كل الناس… فقط نريد أن نعيش بكرامة، وأن نشعر أن الغد قد يكون أفضل".
سوريا محلي
منوعات
سوريا محلي
سوريا محلي